الدعْوَة السِرِّية والجَهْرِيَّة في السيرة النبوية

0 1

 

مرت الدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإلى الإسلام في حياة وسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بمرحلتين: مرحلة الدعوة السرية، ومرحلة الدعوة الجهرية، ويقصد بالدعوة السرية المرحلة التي أعقبت نزول قول الله تعالى: {يا أيها المدثر * قم فأنذر}(المدثر:2:1)، والتي استمرت إلى نزول قول الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء: 214)، والتي بدأت بعدها مرحلة الدعوة الجهرية.

الدعوة السرية:
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بعد نزول الوحي إليه ـ في الدعوة إلى الله عز وجل سرا، وكان يدعو في هذه الفترة من يغلب على ظنه أنه سيدخل في الإسلام، وهذا من فقه وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم، حفاظا منه على الدعوة في بدايتها وعلى من معه من الذين صدقوه وآمنوا به وهم قلة، وحتى لا يعلم المشركون بذلك فيقضون على الدعوة في مهدها.. وقد أجمع علماء السيرة على أن هذه الفترة كانت ثلاث سنوات.. وكانت زوجته وأم أولاده خديجة رضي الله عنها أول من دعاها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلمت، وهي أول امرأة آمنت من هذه الأمة. قال الذهبي عن خديجة رضي الله عنها: "أول من آمن به وصدقه قبل كل أحد، وثبتت جأشه، ومضت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل عندما جاءه جبريل أول مرة في غار حراء". وكذلك عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسارع إلى الإجابة على الرغم من صغر سنه، ثم أسلم مولاه زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلاما لخديجة رضي الله عنها فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها، وأسلمت كذلك بناته زينب وأم كلثوم وفاطمة ورقية رضي الله عنهن..
ثم تابع النبي صلى الله عليه وسلم دعوته سرا، فدعا صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأسلم ولم يتردد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن أبي بكر رضي الله عنه: (إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق) رواه البخاري. وقد روى ابن إسحاق عن بداية إسلام أبي بكر رضي الله عنه فقال: "حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الحصين التميمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم (تباطأ) عنه حين دعوته، ولا تردد فيه". وقد ذكر أهل السير أن أول الرجال إسلاما أبو بكر رضي الله عنه، وأن أول النساء إسلاما أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وأول الموالي إسلاما زيد بن حارثة رضي الله عنه، وأن أول الصبيان إسلاما علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. ثم دخل في الإسلام مجموعة أخرى كريمة من السابقين منهم: أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وسعيد بن زيد من العشرة المبشرين، وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود، وأسماء، وعائشة، وقد أسلمت عائشة رضي الله عنها وهي طفلة صغيرة.. وتوالى إسلام الأفاضل من قريش، فأسلم جعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، وعثمان بن مظعون، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان الرومي، وكذلك كان من السابقين بلال بن رباح، وعمر بن عبسه السلمي، وياسر وسمية والدا عمار، والمقداد بن الأسود رضي الله عنهم أجمعين، حتى وصل عدد الذين أسلموا في تلك الفترة السرية ما يزيد على الأربعين ما بين رجل وامرأة، وهؤلاء هم السابقون الأولون الذين قال الله تعالى عنهم: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}(التوبة:100). قال البغوي: "واختلفوا في السابقين، قال سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين وجماعة: هم الذين صلوا إلى القبلتين. وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر. وقال الشعبي: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وكانت بيعة الرضوان بالحديبية. واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة، مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال بعضهم: أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو قول جابر، وقال مجاهد وابن إسحاق: أسلم وهو ابن عشر سنين. وقال بعضهم: أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي. وقال بعضهم: أول من أسلم زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وعروة بن الزبير، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن العبيد بلال، ومن الموالي زيد بن حارثة". وقال السعدي: "السابقون هم الذين سبقوا هذه الأمة وبدروها إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين الله".
استمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدعوة السرية في مكة المكرمة ثلاث سنوات، ظل فيها يعلم أصحابه حقائق التوحيد، ويغرس فيهم معاني الإيمان، ويربيهم على محاسن الأخلاق، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المكان الذي يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه مع من أسلم سرا، حفاظا على دعوته وأصحابه، إذ كانت بعيدة عن أعين كفار قريش وتفكيرهم، وكانت على جبل الصفا، وكانت - فضلا عن ذلك - للأرقم بن أبي الأرقم وهو من السابقين الأولين الذين استجابوا لله والرسول صلى الله عليه وسلم. قال المباركفوري: "لأن الأرقم لم يكن معروفا بإسلامه، ولأنه من بني مخزوم التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، إذ يستبعد أن يختفي الرسول صلى الله عليه وسلم في قلب العدو، ولأنه كان فتى صغيرا عندما أسلم في حدود الست عشرة سنة، إذ أنه في هذه الحالة تنصرف الأذهان إلى منازل كبار الصحابة".

الدعوة الجهرية:
استمر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته سرا حتى جاءت لحظة الانتقال إلى مرحلة الجهر بالدعوة، بما قد تحمله من أذى واضطهاد، وصبر وتضحيات. قال ابن هشام في "السيرة النبوية": "ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من النساء والرجال، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، فأمر الله رسوله أن يصدع بما جاءه من الحق، وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله أمره واستتر به إلى أن أمره الله بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه، ثم قال الله له: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}(الحجر:15)".. وفي بداية هذه المرحلة أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته، بينما ظل المسلمون على سريتهم ما استطاعوا، حفاظا عليهم من إيذاء قريش المتوقع. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بأقربائه دون بقية الناس، وكانت نزول آية الشعراء إيذانا له بانتهاء المرحلة السرية في الدعوة إلى الله، قال الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء:214). فجمع النبي صلى الله عليه وسلم قريشا ليدعوهم إلى دين الله عز وجل جهرا.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: لما نزل قول الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء:214)، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا (جبل الصفا) فجعل ينادي: يا بني فهر، يابني عدي ـ لبطون قريش ـ حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما الأمر؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم (أخبروني) لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا!! (وفي رواية قالوا: ما جربنا عليك كذبا)، قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا (هلاكا) لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا، فنزلت: {تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب}(المسد2:1)) رواه البخاري. قال المناوي:"{وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء:214) أي: أنذرهم وإن لم يسمعوا قولك، أو لم يقبلوا نصحك، فإن ذلك ليس عذرا مسقطا للتبليغ عنك". وقال الخطابي: "أسلوب الحديث يسمى في علم البديع بالمذهب الكلامي، لأنه صلى الله عليه وسلم استنطقهم أولا بما أقروا به أنه صادق، فلما اعترفوا ألزمهم بقوله: (إني نذير لكم) إلخ، أي إذا اعترفتم بصدقي فاتبعوا لما أقول لكم". وقال ابن حجر: "والسر في الأمر بإنذار الأقربين أولا أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نص له على إنذارهم".
جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة والحق كما أراد الله عز وجل، ولم تكن الدعوة الجهرية سهلة ميسرة، ولم يكن طريقها مفروشا بالورود، فمنذ أن جهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته، انفجرت قريش بمشاعر الغضب، وقررت أن لا تألوا جهدا في محاربة الإسلام والحد من انتشاره، فاتخذوا لذلك أساليب شتى وطرقا متعددة في إيقاع الأذى بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلم يزدد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثباتا على دينه ودعوته، قائلا لهم كما ذكر ابن هشام في سيرته: "(ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم)".. وقال ابن القيم في "زاد المعاد": "ولما أنزل عليه: {فاصدع بما تؤمر}(الحجر:94) صدع (جهر) بأمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، فدعا إلى الله الكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والجن والإنس. ولما صدع بأمر الله، وصرح لقومه بالدعوة، اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه كما قال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك}(صلت: 43)، وقال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن}(الأنعام: 112).. فعزى سبحانه نبيه بذلك، وأن له أسوة بمن تقدمه من المرسلين، وعزى أتباعه بقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}(البقرة:214)".
ورغم ذلك الإيذاء والعناد من كفار قريش، فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم ـ بما أكرمه الله من رحمة ورفق، وحلم وعفو ـ كل الحرص، وبذل كل الجهد حتى يخرج المشركون من عبادة الأوثان إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، فكان صلى الله عليه وسلم يسير في الأسواق يقول: (يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) رواه أحمد. ولما رأى الله عز وجل من نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الجهد في دعوته إلى الله، والحزن الذي ملأ قلبه حتى كاد يقتله لخوفه وإشفاقه عليهم من عذاب ربهم، أنزل الله عز وجل قوله: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}(الشعراء:3). قال ابن كثير: "{لعلك باخع} أي: مهلك {نفسك} أي: مما تحرص وتحزن عليهم {ألا يكونوا مؤمنين}، وهذه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار".

لقد اتفق أهل السير والتاريخ على أن الدعوة إلى الله عز وجل في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم مرت بمرحلتين: مرحلة الدعوة السرية وكانت مدتها ثلاث سنين، ومرحلة الدعوة العلنية أو الجهرية ومدتها عشرون سنة، وهي الفرق بين عمل كل الدعوة النبوية المباركة والدعوة السرية، وقد مرت الدعوة فيهما بعدة مراحل، من الضعف والقوة، والسر والجهر، ولا ريب أن ثمة فوارق بين المرحلة السرية والجهرية في الدعوة إلى الله، فبانتقال الدعوة من السر إلى العلن والجهر، ومن القلة إلى الكثرة، من الطبيعي أن يصاحب ذلك تغيرات في الأسلوب والخصائص والمنهج.. وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية تعامله مع هاتين المرحلتين من عمر الدعوة إلى الله عز وجل دروس وعبر، حيث أعد العدة وانتهج الأسلوب المناسب لكلا المرحلتين، والذي تميز بالحكمة والرفق، والصبر والثبات، ممتثلا قول الله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}(النحل:125). قال الطبري: "يقول تعالى آمرا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله {بالحكمة} وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة {والموعظة الحسنة} أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس ذكرهم بها، ليحذروا بأس الله تعالى. {وجادلهم بالتي هي أحسن} أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب". وقال السعدي: "أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح {بالحكمة} أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده"..
والسيرة النبوية ـ بما فيها من مواقف وأحداث وغزوات ـ تحتوي على المنهج الصحيح والأسلوب الأمثل والأقوم في الدعوة إلى الله عز وجل، من حيث طريقته صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه، وحكمته وتواضعه مع المدعوين ورفقه بهم، إلى غير ذلك من الأمور التي هي من مقومات الدعوة إلى الله، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}(يوسف:108). قال ابن القيم: "فلا يكون الرجل من أتباعه حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه، ويكون على بصيرة". 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة