- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:الحديث الموضوعي
يحاول البعض اختزال العلاقة بين المسلمين وغيرهم تحت عناوين تدعو إلى العداوة المطلقة، مما يدعو إلى تجاوز حدود الشرع في العلاقة مع المخالفين، ولكن حين نستعرض السنة النبوية سنجد العشرات من الأحاديث القولية والتطبيقات النبوية التي يتحصل من مجموعها الدعوة إلى التعايش والبر والإحسان، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، وقد تمثلت تلك العلاقة من خلال الآتي:
أولا: حسن المعاملة مع الأقارب من غير المسلمين:
ويدل على هذا المعنى أحاديث كثيرة، منها لما جاءت أسماء بنت الصديق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقول: يا رسول الله، قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ فأجابها الرحمة المهداة: صلي أمك متفق عليه.
وفي صحيح مسلم من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه: إنكم ستفتحون مصر.. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمة ورحما.
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: " أما الذمة فهي الحرمة والحق، وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم".
وتدل السنة على زيارة المرضى من الأقارب ولو كانوا غير مسلمين، فقد زار النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، كما في سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد.
وأهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حلة ثمينة، فأهداها عمر - رضي الله عنه – إلى أخيه بمكة كان يومئذ مشركا. متفق عليه.
ثانيا: الوصية بحسن جوارهم:
وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد جارا له من اليهود في مرضه، فقعد عند رأسه.
وروى البخاري في الأدب المفرد عن مجاهد أنه سمع عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - يقول لغلام له يسلخ شاة: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي، فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله!؟ فقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوصي بالجار، حتى خشينا أنه سيورثه.
فقد فهم عبد الله بن عمرو العموم في الوصية بالجار، وأن الجار غير المسلم داخل في تلك الوصية بالإحسان إليه وحسن مجاورته.
ثالثا: قبول هداياهم والإهداء إليهم:
روى ابن زنجويه أن رسول الله أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة، وهو بمكة، وكتب إليه يستهديه أدما، فأهدى إليه أبو سفيان وهو لا يزاشل على الشرك.
وهذا الأسلوب النبوي فيه ما فيه من قصد إزالة الشحناء، وترغيب النفوس في الإسلام، ولذلك قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - هدايا الملوك إليه، فقبل هدية المقوقس، وهدية ملك أيلة، وهدية كسرى.
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: " وفي هذا دليل لجواز صلة الأقارب الكفار، والإحسان إليهم، وجواز الهدية إلى الكفار".
رابعا: إكرام الضيف منهم:
في تراثنا الفقهي الكلام عن وجوب إكرام الضيف، سواء كان مسلما أم غير مسلم، قال أبو يعلى في الأحكام السلطانية: "وتجب الضيافة على المسلمين للمسلمين والكفار لعموم الخبر، وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل، وقد سأله إن أضاف الرجل ضيفان من أهل الكفر؟ فقال: قال - صلى الله عليه وسلم -: ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، دل على أن المسلم والمشرك مضاف.. يعم المسلم والكافر". والحديث أجرجه أبو داود وابن ماجة.
وفي سنن الترمذي يقول عدي بن حاتم قال: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي.. حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها".
خامسا: الدعاء لهم بالهداية:
ومن ذلك دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لقبيلة دوس، وقد قدم عليه الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوسا قد كفرت وأبت؛ فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس - أي ستهلك بدعائه عليها - فقال - صلى الله عليه وسلم -: اللهم اهد دوسا، وائت بهم متفق عليه.
ولما قيل له - صلى الله عليه وسلم - في موطن آخر: يا رسول الله، ادع على المشركين.. قال: إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
سادسا: العدل في معاملتهم وصيانة حقوقهم:
وفي السنة صفحات بيضاء سطرت بمداد العدل والإنصاف مع غير المسلمين، فقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم، وجعل نفسه الشريفة خصما للمعتدي عليهم، فقال: من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة رواه أبو داود والنسائي.
وفي المسند عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا دعوة المظلوم - وإن كان كافرا - فإنه ليس دونها حجاب.
وفي تاريخ المدينة لابن شبة وفي الطبقات لابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب كتاب صلحه لأهل نجران قال فيه: ولنجران وحسبها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وتبعهم، وألا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا واقه من وقهيته وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم ربية ولا دم جاهلية، ولا يحشرون ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين.
وفي البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما.
وفي صحيح ابن حبان عن عمرو بن الحمق الخزاعي قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: أيما رجل أمن رجلا على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافرا.
يقول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: "الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك: أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه".
ولما ولي أمير العدل عمر بن عبد العزيز أمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي يشكو الأمير العباس بن الوليد بن عبد الملك في ضيعة له أقطعها الوليد لحفيده العباس، فحكم له الخليفة بالضيعة، فردها عليه. ذكر هذا ابن كثير في البداية والنهاية.
وفي تاريخ المسلمين صفحات كثيرة من المعاملة الحسنة لغير المسلمين، وأنقل موقفا لأحد فقهاء الإسلام العظام وذلك حين أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء، وفي ذلك الشأن يقول ابن تيمية كما في الفتاوى في ثنايا رسالته القبرصية إلى إلى سرجوان ملك النصارى: "ومع هذا فإنا كنا نعامل أهل ملتكم بالإحسان إليهم والذب عنهم، وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلو شاه وخاطبت مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين، قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يطلقون، فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى، الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم، ولا ندع أسيرا، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا والجزاء على الله".
ففي السنة النبوية والتاريخ الإسلامي مواقف ناطقة بالعدل والإحسان مع غير المسلمين، وذلك هو الأصل في العلاقة معهم، وإنما يحصل خلاف ذلك في أحوال استثنائية، وقد أحكم الله ميزان التعامل مع غير المسلمين بقوله تعالى: (لا ينۡهىكم ٱلله عن ٱلذين لمۡ يقتلوكمۡ في ٱلدين ولمۡ يخۡرجوكم من ديركمۡ أن تبروهمۡ وتقۡسطوٓا إليۡهمۡ إن ٱلله يحب ٱلۡمقۡسطين* إنما ينۡهىكم ٱلله عن ٱلذين قتلوكمۡ في ٱلدين وأخۡرجوكم من ديركمۡ وظهروا علىٓ إخۡراجكمۡ أن تولوۡهمۡۚ ومن يتولهمۡ فأولٓئك هم ٱلظلمون) [الممتحنة: 8-9]
فبدأ بالأصل وهو البر والقسط والتعامل بالحسنى، وأعقب ذلك ببيان الاستثناء المتمثل في رد العدوان، والدفاع عن الحرمات، وتعتبر الآيتان السابقتان ميزانا عادلا ومنطقيا للتعامل مع غير المسلمين.

المقالات

