الإحسان في القرآن الكريم (1)

0 0

* مفهوم الإحسان

يعود جذر مادة الإحسان إلى (حسن) قال ابن فارس: "الحاء والسين والنون أصل واحد. فالحسن ضد القبح. يقال: رجل حسن، وامرأة حسناء وحسانة. والمحاسن من الإنسان وغيره: ضد المساوئ". وهو مصدر أحسن يحسن إحسانا، ويعدى بنفسه أو بغيره، تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته. وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت النفع إليه.

و(الإحسان) في الاصطلاح -بحسب الراغب الأصفهاني- "يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان. والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علما حسنا، أو عمل عملا حسنا". وقال ابن العربي: "الإحسان مأخوذ من الحسن، وهو كل ما مدح فاعله". وقال القرطبي: "إتقان العبادة ومراعاتها، بأدائها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها، واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار". 

* الألفاظ ذات الصلة

- الإفضال: لغة: هو الإحسان، يقال: رجل مفضال: كثير الفضل والخير والمعروف، وامرأة مفضالة على قومها: إذا كانت ذات فضل سمحة. وأفضل عليه وتفضل بمعنى. وقال ابن فارس: "الفاء والضاد واللام أصل صحيح، يدل على زيادة في شيء. من ذلك الفضل: الزيادة والخير". و(الإفضال) في الاصطلاح: يستعمل لمطلق النفع. وقد وردت عدة آيات تدل على أن (الإفضال) هو الإحسان، من ذلك قول الباري سبحانه: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} (آل عمران:174) فالمراد بـ (الفضل) في الآية الإحسان من الله بالعاقبة والسلامة والغنيمة. والمعنى: والله ذو إحسان وطول عليهم -بصرف عدوهم الذي كانوا قد هموا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم- بنعمه. والصلة بين الإحسان والإفضال أن في كليهما نفعا للغير، لكن الإحسان لفظ عام؛ لأن فيه معنى الإتقان والإحكام، وفيه معنى الإحسان من العبد مع الله.

- الامتنان: لغة: الإحسان والإنعام، يقال: من عليه يمن منا: أحسن وأنعم، والاسم المنة، والمن: القطع. و(الامتنان) في الاصطلاح: إحسان المحسن غير معتد بالإحسان، وفي أسماء الله تعالى: الحنان المنان، أي: الذي ينعم غير فاخر بالإنعام. قال ابن الأثير: "هو المنعم المعطي، من المن: العطاء، لا من المنة. وكثيرا ما يرد المن في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه، ولا يطلب الجزاء عليه". والصلة بين الإحسان والامتنان أن الامتنان هو الإحسان والإنعام، وأن الإحسان أعم منه.

- الإنعام: لغة: من النعمة -بفتح النون- وهي المسرة والفرح والترفه. ومعنى قولهم: أنعمت على فلان: أي أصرت إليه نعمة. والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة كله: الخفض والدعة والمال، وهو ضد البأساء والبؤسى. والتنعم: الترفه، والاسم النعمة، ونعم الرجل ينعم نعمة، فهو نعم بين المنعم. والنعمة: اليد البيضاء الصالحة، والصنيعة والمنة، وما أنعم به عليك. ونعمة الله -بكسر النون- منه، وما أعطاه الله العبد مما لا يمكن غيره أن يعطيه إياه، كالسمع والبصر، ونحوهما. و(الإنعام) اصطلاحا: إيصال النعمة والإحسان إلى الغير. والصلة بين الإحسان والإنعام، أن الإنعام لا يكون إلا من المنعم على غيره، لأنه متضمن بالشكر الذي يجب وجوب الدين، ويجوز إحسان الانسان إلى نفسه، تقول لمن يتعلم العلم: إنه يحسن إلى نفسه، ولا تقول: منعم على نفسه، والاحسان متضمن بالحمد، ويجوز الحامد لنفسه.   

- الإكرام: الإكرام والتكريم لغة: أن يوصل إلى الإنسان بنفع، لا تلحقه فيه غضاضة، أو يوصل إليه بشيء شريف. والإكرام في الاصطلاح: التفضيل والاحترام، ومنه قوله عز وجل: {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء:70). والصلة بين الإحسان والإكرام، أن الإكرام هو الإحسان مع التفضيل والتشريف.   

* الإحسان في الاستعمال القرآني

ورد جذر مادة (الإحسان) (حسن) في القرآن الكريم (194) مرة، يخص موضوع البحث منها (108) مرة، والصيغ التي جاءت بها: الفعل الماضي (17) مرة، الفعل المضارع (2) مرتان، الفعل الأمر (2) مرتان، أفعل التفضيل (36) مرة، المصدر (12) مرة، اسم الفاعل (39) مرة. 

وجاء (الإحسان) في الاستعمال القرآني بمعنى إجادة الفعل وإتقانه وإخلاصه، وهو ضد الإساءة.

* الإحسان في حق الله

يتجلى الإحسان في حق الله سبحانه في النقاط الآتية:

أولا: الإحسان من صفات الله سبحانه: الإحسان صفة من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة. والإحسان في حق الله تعالى يأتي بمعنيين: 

1- الإنعام على الغير، وهو زائد على العدل، ومنه قوله تعالى: {قد أحسن الله له رزقا} (الطلاق:11) وقوله سبحانه: {وأحسن كما أحسن الله} (القصص:77).

2- الإتقان والإحكام، ومنه قوله عز وجل: {الذي أحسن كل شيء خلقه} (السجدة:7) وقوله سبحانه: {وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير} (التغابن3). وهذه الآيات دليل على أن (الإحسان) صفة من صفات الله الفعلية. 

والدليل من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله محسن يحب الإحسان إلى كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) رواه عبد الرزاق في "المصنف" وصححه الشيخ الألباني. والمحسن من أسمائه سبحانه؛ ومعناه أن الإحسان وصف لازم له، لا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين، فلا بد لكل مكون من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، والله يحب من خلقه أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه؛ فهو الرحمان يحب الراحمين، وهو المحسن يحب المحسنين. فـ (المحسن) في صفات الله سبحانه معناه: المنعم المتفضل الذي أحسن للناس عقيدة ودينا، وأحسن لهم خلقا ورزقا، وأحسن لهم مثوبة وأجرا، كرما منه وفضلا.

واستنادا لما تقدم، يتبين أن الإحسان من صفات الله الفعلية الثابتة بالقرآن والسنة؛ والصفات الفعلية هي الصفات التي تتعلق بالمشيئة والقدرة، ومنها: الخلق، الرزق، الإحسان...وضابطها أنها هي التي تنفك عن الذات، بمعنى أن الله إذا شاء لم يفعلها، أما الصفات الذاتية فهي التي لا تنفك عن الذات، ومع ذلك فإن كلا النوعين يجتمعان في أنهما صفات لله تعالى أزلا وأبدا، لم يزل ولا يزال متصفا بهما ماضيا وحاضرا، لائقان بجلاله سبحانه وكماله.  

ثانيا: الإحسان في الخلق: إن الله سبحانه أحسن في الخلق بصفة عامة، {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين} (السجدة:7) والإحسان في الخلق معناه: أنه سبحانه أتقن كل شيء وأحكمه، {الذي أعطى كل شيء خلقه} (طه:50) فلم يجعل خلق البهائم كخلق الناس، ولا خلق الناس كخلق البهائم، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا، فهو سبحانه أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها. 

والإحسان في خلق الإنسان على وجه الخصوص، قال سبحانه: {وصوركم فأحسن صوركم} (التغابن:3)   ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل. فإن قيل: كيف أحسن صورهم؟ فالجواب: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورة، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب، كما قال عز وجل: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (التين:4) قال الطبري: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها"؛ ولهذا أنكر سبحانه على من يدعو من لا يخلق، فضلا عن أن يكون محسنا في الخلق، {أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين} (الصافات:125).

ثالثا: الإحسان في الرزق: إن الله سبحانه أحسن في الرزق كما أحسن في الخلق، قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا} (هود:88) أي: يا قوم! أرأيتم إن كنت على بيان وبرهان من ربي في ما أدعوكم إليه من عبادة الله، والبراءة من عبادة الأوثان والأصنام، وفي ما أنهاكم عنه من إفساد المال، ورزقني منه رزقا حلالا طيبا. وقال عز من قائل: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} (النحل:67) فقد رزق الله من ثمرات النخيل والأعناب الرزق الحسن، وغيرهما مما أحله سبحانه لعباده.

وإحسان الله في الرزق غير مقتصر على الدنيا فحسب، بل ذلك يشمل أيضا الآخرة، {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا} (الحج:58) {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} (الطلاق:11) أي: رزقهم الله الجنة، التي لا ينقطع نعيمها، ولا يزول، ويعني بـ (الرزق) ما رزقهم فيها من المطاعم والمشارب، وسائر ما أعده سبحانه لأوليائه، وطيبه لهم.

رابعا: الإحسان في الحكم: أخبرنا سبحانه أنه أحسن الحاكمين، {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} (المائدة:50) يقول سبحانه موبخا الذين أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلا فعلهم ذلك منهم: ومن هذا الذي هو أحسن حكما، أيها اليهود! من الله تعالى عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقر بربوبيته؟ فأي حكم أحسن من حكم الله، إن كنتم موقنين أن لكم ربا، وكنتم أهل توحيد وإقرار به؟ وأهل الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء، فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل.

وينكر سبحانه في هذه الآية على من خرج عن حكمه المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله تعالى، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، {أفحكم الجاهلية يبغون} أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.

وبمعنى قوله سبحانه: {ومن أحسن من الله حكما} وردت آيات في كتاب الله؛ منها: {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين} (الأنعام:57) {فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين} (الأعراف:87) {واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} (يونس:109) {وأنت أحكم الحاكمين} (هود:45) أي: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل، قال الزمخشري: "أي: أعلم الحكام وأعدلهم؛ لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل"، وقال سبحانه: {أليس الله بأحكم الحاكمين} (التين:8) يقول تعالى: أليس الله يا محمد! بأحكم من حكم في أحكامه، وفصل قضائه بين عباده؟

خامسا: الإحسان في الأجر والثواب: إن الإحسان في الأجر والثواب من الله تعالى لمن آمن وعمل صالحا ثابت في آيات كثيرة، قال عز وجل: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل:97) يعني: الإحسان الذي كانوا يعملون في الدنيا، فيجزيهم بأحسن أعمالهم، ويبقى سائر الأعمال فضلا. وقال تعالى: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} (النور:38) في الآية تقرير وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشيئة، وسعة الإحسان؛ لأن {بغير حساب} كناية عن السعة. والمراد أنه لا يدخل تحت حساب الخلق وعدهم. والمراد بـ {أحسن ما عملوا} أعمالهم الحسنة الصالحة؛ لأنها أحسن ما عملوا؛ لأنهم يعملون المباحات وغيرها، فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن.

وقوله سبحانه: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} (العنكبوت:7) أي: ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في إسلامهم، أحسن ما كانوا يعملون في حال شركهم، مع تكفيرنا سيئات أعمالهم. وقال تعالى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} (الأحقاف:16) يعني: نتقبل أعمالهم الصالحة، التي عملوها في الدنيا، وكلها حسن، و(الأحسن) بمعنى (الحسن) فنثيبهم عليها، ونتجاوز عن سيئاتهم، فلا نعاقبهم عليها. وقوله تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} (آل عمران:148) قال الطبري: "فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله جزاء في الدنيا، وذلك: النصر على عدوهم وعدو الله، والظفر، والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد، وأعطاهم خير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها". 

وقال عز وجل: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن:60) أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا، إلا أن يحسن الله إليه في الآخرة. وبعبارة الطبري: "هل ثواب خوف مقام الله عز وجل لمن خافه، فأحسن في الدنيا عمله، وأطاع ربه، إلا أن يحسن إليه في الآخرة ربه، بأن يجازيه على إحسانه ذلك في الدنيا، ما وصف في هذه الآيات من قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن:46) إلى قوله: {كأنهن الياقوت والمرجان} (الرحمن:58). 

وقال عز من قائل: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب} (آل عمران:195) أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: {إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى} فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفورا، {بعضكم من بعض} أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب، {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا} فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال؛ طلبا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله، {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله} الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل، {والله عنده حسن الثواب} مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أراد ذلك، فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه، بما يقدر عليه العبد.

وقال عز وجل: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} (آل عمران:14) فقوله: {والله عنده حسن المآب} يعني بذلك: عند الله حسن المرجع، وحسن المنقلب، وهي الجنة.

* مجالات الإحسان 

مجالات الإحسان في القرآن ثلاثة، نبينها وفق الآتي:

أولا: الإحسان في الاعتقاد: الإحسان في الاعتقاد يكون بتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؛ فالإحسان بتوحيد الربوبية هو بإفراد الله تعالى بالوحدانية، والإقرار بأنه واحد في أفعاله، لا شريك له فيها، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وتدبير الأمور، والتصرف في الكون، وغير ذلك مما يتعلق بربوبيته. ودليل ذلك ما أفصح عنه قوله تعالى: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} (الإخلاص:1-4). أما توحيد الربوبية: فهو توحيد الله تعالى بأفعاله، والإقرار بأنه خالق كل شيء ومليكه، وإليه يرجع الأمر كله في التصريف والتدبير. وهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو الذي يرسل الرسل، ويشرع الشرائع، ليحق الحق بكلماته، ويقيم العدل بين عباده شرعا وقدرا إلى غير ذلك مما لا يحصيه العد، ولا تحيط به العبارة. وهذا النوع من التوحيد قد أقرت به الفطرة.

وأما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة؛ قولا، وقصدا، وفعلا، فلا ينذر إلا له، ولا تقرب القرابين إلا إليه، ولا يدعى في السراء والضراء إلا إياه، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، إلى غير ذلك من أنواع العبادة.

فأما الإحسان في توحيد الأسماء والصفات، فهو إثبات كل ما أثبته سبحانه لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه يليق بكماله وجلاله، دون تكييف أو تمثيل، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى:11) فجمعت هذه الآية بين الإثبات والتنزيه؛ فالإثبات في قوله سبحانه: {وهو السميع البصير} والتنزيه في قوله عز وجل: {ليس كمثله شيء} فله سبحانه سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، وهكذا يقال في كل ما ثبت لله من الأسماء والصفات.

وقد وردت آيات تدل على الإحسان في الاعتقاد؛ من ذلك قوله سبحانه: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا} (النساء:125) فالآية تدل على أن الإحسان في الاعتقاد هو لمن استسلم وجهه لله، فانقاد له بالطاعة، مصدقا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في ما جاء به من عند ربه، وهو عامل بما أمره به ربه، محرم حرامه ومحلل حلاله، متبعا الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به بنيه من بعده وأوصاهم به، مستقيما على منهاجه وسبيله.

وقال عز من قائل: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} (لقمان:22) أي: من أسلم، فقد استمسك بقول: لا إله إلا الله، وهي العروة الوثقى؛ وذلك بأن يخلص عبادته وقصده إلى الله، وهو محسن؛ لأن العبادة من غير إحسان ولا معرفة القلب لا تنفع.                   

ثانيا: الإحسان في العبادة: عرف ابن تيمية العبادة بأنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة".

والإحسان في العبادة يكون بالإخلاص لله تعالى فيها، وقد أمر سبحانه بالإخلاص في العبادة، فقال: {فاعبد الله مخلصا له الدين} (الزمر:2). والإخلاص في العبادة شرط أساس لقبول العمل، وشرط آخر وهو أن تكون العبادة وفق ما شرع الله ورسوله، فكل عبادة لم تستوف هذين الشرطين لا اعتبار لها في ميزان الشرع، ويصح فيها قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} (الفرقان:23).

والإحسان يشمل جميع العبادات؛ لعموم قوله سبحانه: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (النحل:90) فإن من معاني الإحسان في الآية بحسب الرازي: أداء الفرائض، والإخلاص لله تعالى. ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن معنى الإحسان هنا: أن تعبد الله كأنك تراه، وأن تحب للناس ما تحب لنفسك؛ فإن كان مؤمنا، أحببت أن يزداد إيمانا، وإن كان كافرا، أحببت أن يصير أخاك في الإسلام.

وبخصوص الإحسان في أعمال الحج، يقول الباري سبحانه: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين} (الحج:37) أي: لم يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه أن اتقيتموه فيها، فأردتم بها وجهه، وعملتم فيها بما ندبكم إليه، وأمركم به في أمرها، وعظمتم بها حرماته. وقوله: {ولكن يناله التقوى منكم} أي: ما أريد به وجه الله. وقوله: {وبشر المحسنين} أي: وبشر يا محمد صلى الله عليه وسلم! الذين أطاعوا الله، فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة. 

والإحسان في المعاملات وفق القرآن الكريم يكون في أمور:

1- الإحسان إلى الوالدين: أمر سبحانه بالإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} (النساء:36) أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم، والخطاب اللطيف، والفعل الجميل، بطاعة أمرهما، واجتناب نهيهما، والإنفاق عليهما، وإكرام من له تعلق بهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما. وللإحسان ضدان، الإساءة وعدم الإحسان. وكلاهما منهي عنه. فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان، انتفى العقوق. وقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} (الإسراء:23)  و(قضى) في الآية بمعنى أمر ووصى، قال الشنقيطي: "ذكره جل وعلا في هذه الآية بر الوالدين مقرونا بتوحيده في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين". وقال سبحانه: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا} (الأحقاف:15) المراد: ووصينا ابن آدم بوالديه الحسن في صحبته إياهما أيام حياتهما، والبر بهما في حياتهما وبعد مماتهما. 

2- الإحسان إلى الزوجة والأولاد: الإحسان إلى الزوجة يكون بمعاشرتها بالمعروف؛ تحقيقا لأمره سبحانه: {وعاشروهن بالمعروف} (النساء:19) أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} (البقرة:228). والإحسان إلى الزوجة كما يكون حال قيام الزوجة، يكون أيضا حال الفراق والطلاق، {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (البقرة:229) فالإمساك الذي هو بمعروف بعد الطلقة الثانية، هو أن يحسن صحبتها، أو تسريح بإحسان، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن يوفيها حقها، ولا يؤذيها، ولا يشتمها. وعن ميمون بن مهران، قال: "من خالع امرأته، فأخذ منها شيئا أعطاها، فلا أراه سرحها بإحسان".

كما جعل سبحانه من الإحسان إلى الزوجة بعد الطلاق أن أمر لها بالمتعة، وهي عطية يعطيها الزوج لمطلقته، قال تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين * وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى} (البقرة:236-237) أي: هذا التمتيع حق ثابت على المحسنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بامتثالهم لأوامر الله، وبترضيتهم لنفوس هؤلاء المطلقات اللاتي تأثرن بسبب هذا الفراق. فالآية الكريمة ترفع الإثم عن الرجال الذين يطلقون النساء قبل الدخول بهن، وقبل تسمية المهر لهن، متى كانت المصلحة تستدعي ذلك، وتبين الحقوق التي للمرأة على الرجل في هذه الحالة. ونبه سبحانه الزوج أن لا ينسى الإحسان إلى الزوجة حتى بعد الطلاق، {ولا تنسوا الفضل بينكم} (البقرة:237) أي: ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض، {إن الله بما تعملون بصير} (البقرة:237) لا يضيع تفضلكم وإحسانكم. 

أما الإحسان إلى الأولاد فيدل عليه عموم قوله سبحانه: {وبالوالدين إحسانا وذي القربى} (البقرة:83) وقوله عز وجل: {وبالوالدين إحسانا وبذي القربى} (النساء:36) أمر سبحانه بالإحسان إلى ذي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع رحمه بقوله أو فعله؛ لأن قوله {وذي القربى} عام يشمل الأصل -وهو الأبوان- وما يتصل بالمرء من ناحيتهما من أصولها وفصولهما، ويشمل الفصل -وهو الأبناء والبنات- وما يتصل به منهما من فصول. غير أن الوالدين لمزيد العناية بهما خصصا بالذكر في الآيات المتقدمة، وإن كانا داخلين في هذا العموم. فيكون الإحسان إلى الأولاد بجميع أنواع الإحسان المادية والمعنوية من تربيتهم تربية حسنة، وتعليمهم والتلطف بهم ورحمتهم والإنفاق عليهم والعدل بينهم في العطايا والهبات. 

3- الإحسان إلى الأقارب: تقدم قوله سبحانه: {وبالوالدين إحسانا وذي القربى} ويشمل جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا. وإنما أمر بالإحسان إليهم استبقاء لأواصر الود بين الأقارب، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرفوا حقوق القرابة، فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل. ومعلوم أن الاحسان إلى هؤلاء إنما يكون بالمال. ثم ذم المعرضين عن هذا الاحسان، فقال: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} (النساء:36). وقد جعل سبحانه لذوي القربى حقا في مال القريب، قال جل علاه: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} (الإسراء:26) قال ابن عطية: "الآية وصية للناس كلهم بصلة قرابتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة، وألحق في هذه الآية ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة". وقال ابن باديس: "إن من حكمة التربية أن يبدأ من الأوامر بما تعين فطرة النفوس الإنسانية على قبوله ببداهة الفكرة، أو بشعور العاطفة. وكلتا هاتين يحبب للنفس إيتاء حق القريب، فابتدأ به في الأمر؛ ليكون تقبلها له أسهل ومبادرتها للامتثال أسرع، فاذا سخت النفوس بإيتاء حق القريب، ومرنت عليه، اعتادت الإيتاء، وصار من ملكاتها، فسهل عليها إيتاء كل حق، ولو كان لأبعد الناس. وشيء آخر، وهو أن الأقارب قد تكون بينهم المنافسات والمنازعات لقرب المنازل، أو تصادم المنافع أو التشاح على المواريث ما لا يكون بين الأباعد، فيقطعوا حق القرابة، ويهدموا بناء الأسرة، ويعود ذلك عليهم أولا بالوبال، ويرجع ثانيا على مجتمعهم بالتضعضع، فكان هذا من جملة ما يقتضي الابتداء بحقهم إلى المقتضيات المتقدمة الأخرى". 

وللقرابة حقان: حق الصلة، وحق المواساة، قال عز وجل: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} (البقرة:215) أي: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به، واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من خير وتصنعوه إليهم، فإن الله به عليم، وهو محصيه لكم، حتى يوفيكم أجوركم عليه يوم القيامة، ويثيبكم -على ما أطعتموه بإحسانكم- عليه. و(الخير) الذي قال جل ثناؤه في قوله: {قل ما أنفقتم من خير}، هو المال الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية.

4- الإحسان إلى اليتامى والمساكين: أمر سبحانه بالإحسان إلى اليتامى والضعفاء والمساكين في قوله عز وجل: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا} (البقرة:83) ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجبا على بني إسرائيل في دينهم، وكذا القول الحسن للناس كان واجبا عليهم؛ لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب، والأمر في شرعنا أيضا كذلك من بعض الوجوه. ويبين سبحانه في هذه الآية ونحوها أصحاب الحقوق الواجبة على الإنسان نحوهم، إما لصلة قرابة تجمعهم إليه، وتجعلهم بعضا منه، أو تجعله بعضا منهم، وإما لصلة إنسانية عامة، تلك الصلة التي تقوم على أساس أن الفرد عضو في الجسد الاجتماعي كله، وأن كل عضو سليم في هذا الجسد من واجبه أن يحمل بعض أعباء الأعضاء المريضة فيه، شأن الجسد حين تضعف فيه حاسة، أو تعجز عن العمل، فتتولى أقرب الحواس إليها، وأشكلها بها، أداء وظيفتها بوجه أو بآخر حتى يستقيم للجسد أمره.

5- الإحسان إلى الجيران: قال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب} (النساء:36) أما (الجار) فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه، ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى: {والجار ذي القربى} أي: القريب، {والجار الجنب} أي: الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابة، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. قال القرطبي: "فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها، مسلما كان أو كافرا، وهو الصحيح. والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه". و(الجوار) ضرب من ضروب القرابة، فهي قرب بالنسب، وهو قرب بالمكان والسكن، وقد يأنس الإنسان بجاره القريب، ما لا يأنس بنسيبه البعيد، ويحتاجان إلى التعاون والتناصر ما لا يحتاج الأنسباء الذين تناءت ديارهم، فإذا لم يحسن كل منهما إلى الآخر، لم يكن فيهما خير لسائر الناس. وإكرام الجار من شيم العرب قبل الإسلام، وزاده الإسلام توكيدا بما جاء في الكتاب والسنة، ومن إكرامه إرسال الهدايا إليه، ودعوته إلى الطعام، وتعاهده بالزيارة والعيادة إلى نحو ذلك.

6- الإحسان إلى عموم الناس: قال عز وجل: {وقولوا للناس حسنا} (البقرة:83) أي: كلموهم طيبا، ولينوا لهم جانبا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} فالحسن من القول يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس: {حسنا} كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. وقال سبحانه: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} (الإسراء:53) والمعنى: قل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين الكلمة التي هي أحسن، قال الحسن: يقولون له: يهديك الله، إن الشيطان هو الذي يفسد بينهم؛ لأنه عدو للإنسان ظاهر العداوة. فسبحانه يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزع الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزع في يده، أي فربما أصابه بها. وقوله عز من قائل: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل:125) يقول تعالى آمرا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة، قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة {والموعظة الحسنة} أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس, ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى. وقوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} (العنكبزت:46) فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}.

7- الإحسان في الجهاد: الإحسان في الجهاد من صفات المحسنين، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} (العنكبوت:69) أي: والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبا من كفار قريش، المكذبين بالحق لما جاءهم فينا، مبتغين بقتالهم علو كلمتنا، ونصرة ديننا، لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام، الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مصدقا رسوله في ما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه. وقد تكفل سبحانه بأنه لا يضيع أجر من أحسن في الجهاد، {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} (التوبة:120).

كما يكون الإحسان في الجهاد بالإنفاق في سبيل الله، {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (البقرة:195) أي: أنفقوا في سبيل الله، فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن، وكل ما أمر الله به من الخير، فهو في سبيل الله، وأكثر ما يستعمل في الجهاد؛ لأنه السبيل الذي يقاتل فيه. وقوله: {وأحسنوا} أي بالإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته. وقيل: أحسنوا في الإنفاق، ولا تسرفوا، ولا تقتروا، نهوا عن الإسراف والإقتار في الإنفاق. وقيل: معناه {وأحسنوا} في أداء فرائض الله تعالى، إن الله يثيب المحسنين على إحسانهم. كما يكون الإحسان في الجهاد بالالتزام بتعاليم الإسلام في قتال أعدائه؛ وذلك بعدم المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال منهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، وقد ورد في ذلك حديث بريدة في "صحيح مسلم". 

ثالثا: الإحسان في الأخلاق: إن الإحسان في الأخلاق يكون بالتخلق بالقرآن الكريم في الأقوال والأفعال وجميع التصرفات؛ فإن أحسن الناس خلقا هو من يتخلق بالقرآن، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وصفه سبحانه بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} (القلم:4) المراد: أنت على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن، وأنت على الخلق الذي أدبك الله به، مما نزل به القرآن من الإحسان إلى الناس والعفو والتجاوز، وصلة الأرحام، وإعطاء النصفة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك. 

وقال عز من قائل: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} (النساء:86) المراد بـ (التحية) ها هنا السلام، يقول: إذا سلم عليكم مسلم، فأجيبوا بأحسن مما سلم، {أو ردوها} أي: ردوا كما سلم، فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد مثله، روي أن رجلا سلم على ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئا، فقال ابن عباس: إن السلام ينتهي إلى البركة.

* مادة المقال مستفادة من موقع (موسوعة التفسير الموضوعي)

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة