- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:الإيمان بالرسل
الإيمان برسل الله وأنبيائه جميعا من مسلمات الدين، وهو أحد أركان الإيمان الستة التي جاءت في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره). والمسلمون يؤمنون بجميع الأنبياء والرسل، ويحبونهم ويوقرونهم جميعا، لا يفرقون بين أحد منهم، ويعتقدون بكفر من أنكر نبوة من أثبت الله عز وجل نبوته، لأن الكفر برسول أو نبي واحد كفر بجميع الرسل، قال الله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله}(البقرة:285). قال الطبري: "والمؤمنون كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرق الكل منهم بين أحد من رسله، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، ولكنهم يصدقون بجميعهم.. ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقروا بموسى وكذبوا عيسى، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحدوا نبوته، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعض رسل الله، وأقروا ببعضه". وقال ابن تيمية: "والمسلمون آمنوا بالأنبياء كلهم، ولم يفرقوا بين أحد منهم، فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم"..
وقد اصطفى الله عز وجل أنبياءه ورسله من البشر، يدعون الناس إلى توحيده وعبادته، وجمع الله لهم الفضل كله، فإنهم أطهر البشر قلوبا، وأصدقهم إيمانا، وأفضلهم عبادة، وأذكاهم عقولا، وأحسنهم أخلاقا، وأكملهم دينا، وأحسنهم صورة، وأصدقهم حديثا.. وميزهم على خلقه من قبل النبوة، ثم زادهم فضلا بالنبوة والرسالة، فلا يبلغ أحد منزلتهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير}(الحج:75). قال السعدي: "أي: يختار ويجتبي من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واصطفاهم ليس جاهلا بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئا دون شيء، وإنما المصطفي لهم، السميع البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء، فاختياره إياهم، عن علم منه، أنهم أهل لذلك، وأن الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}(الأنعام:124)"..
وقد خص الله تعالى أنبياءه ورسله بالكثير من الخصائص والفضائل التي لم يخص بها سائر الخلق، ومن ذلك: الوحي، والعصمة، ورؤاهم في منامهم وحي وحق، وتخييرهم عند الموت بين الإقامة في الدنيا والموت.. ومن هذه الخصائص والفضائل التي خصهم الله عز وجل بها: لا تأكل الأرض أجسادهم، وأنهم أحياء في قبورهم..
لا تأكل الأرض أجساد الأنبياء بعد موتهم:
الأصل أن أجسام كل الناس صالحهم وطالحهم تبلى وتأكلها الأرض إلا أجساد الأنبياء والرسل. وقد ذكر العلماء أن من إكرام الله عز وجل لأنبيائه ورسله أن الأرض لا تأكل أجسادهم، فمهما طال الزمان وتقادم العهد تبقى أجسادهم محفوظة من البلى، وعمدتهم في هذا ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد، عن أوس بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - أي يقولون: قد بليت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
قال الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير": "لأنها تشرف بوضع أقدامهم عليها وضمهم إليها، فكيف تأكلهم؟!". وقال السخاوي في "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع": "نحن نؤمن ونصدق بأنه صلى الله عليه وسلم حي يرزق في قبره، وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا". وقال ابن أبي العز في "شرح الطحاوية": "حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما روي في السنن، وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة.. وكأنه - والله أعلم - كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول". وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين": "اعلم أن الإنسان إذا دفن فإن الأرض تأكله لا يبقى إلا عجب الذنب (العـظيم الصغير الذي في أسفل الصلب عند نهاية فقرات الظهر)، وعجب الذنب هذا يكون كالنواة لخلق الناس يوم القيامة، تنبت منه الأجساد، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الأرض لا تأكلهم... أما غير الأنبياء فإن الأرض تأكل أجسادهم، ولكن قد يمنع الله الأرض أن تأكل أحدا، كرامة له".
وقال ابن القيم في "إغاثة اللهفان": إن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، ليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون". وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "مقابر الأنبياء لا تنتن، بل الأنبياء لا يبلون، وتراب قبورهم طاهر"..
وقال ابن القيم في قصيدته "النونية":
والأنبياء فإنهم تحت الثرى أجسامهم حفظت من الديدان
ما للبلى بلحومهم وجسومهم أبدا وهم تحت التراب يدان
وكذاك عجب الظهر لا يبلى بلى منه تركب خلقة الإنسان
الأنبياء أحياء يصلون في قبورهم:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) رواه البزار وأبو يعلى والبيهقي. وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مررت على موسى ليلة أسري بي (في الإسراء والمعراج) عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره). وعن أبي هريرة ـ في قصة ومعجزة الإسراء والمعراج ـ قوله صلى الله عليه وسلم: (وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي، وإذا إبراهيم قائم يصلي) رواه مسلم.
قال القرطبي: "فإن قيل: كيف يصلون بعد الموت وليس تلك الحال حال تكليف؟ فالجواب: أن ذلك ليس بحكم التكليف، وإنما ذلك بحكم الإكرام لهم والتشريف، وذلك أنهم كانوا في الدنيا حببت لهم عبادة الله تعالى والصلاة بحيث كانوا يلازمون ذلك، ثم توفوا وهم على ذلك، فشرفهم الله تعالى بعد موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يحبون، وما عرفوا به". وقال ابن تيمية: "هذه الصلاة ونحوها مما يتمتع بها الميت ويتنعم بها كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح، فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس في الدنيا النفس، فهذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذبه". وقال الشيخ الألباني: "اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إنما هي حياة برزخية، ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا، هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء، كما يفعل أهل البدع.. وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى".
فائدة:
1 ـ قد يستشكل البعض أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء بعد موتهم، وأن الأنبياء والرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ أحياء يصلون في قبورهم رغم مفارقة الروح لأبدانهم؟! والجواب على ذلك: الكلام عن الأمور الغيبية مرهون بصحة الخبر، ونحن نستقي العقائد والإيمان بالأمور الغيبية من الأخبار، فمتى صحت لزم القول بمضمونها. وقد خط الأئمة في ذلك منهجا راسخا تجاه ما جاءت به النصوص الصحيحة وضرورة التسليم لها. قال ابن حجر الهيثمي المكي: "وما أفاده ـ أي الحديث - من ثبوت حياة الأنبياء حياة بها يتعبدون ويصلون في قبورهم مع استغنائهم عن الطعام والشراب كالملائكة أمر لا مرية فيه". وذكر البيهقي أن صلاة الأنبياء في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل وقد ثبت به النقل، فدل ذلك على حياتهم..
ولا شك أن إثبات هذه الصلاة لا تترتب عليه استحالة عقلية، لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، فجائز عقلا أن تكون للأنبياء صلاة خاصة لا ندرك طبيعتها ولا يمكن رصدها منا نحن معاشر الأحياء، فدار البرزخ هي حياة أخرى لها طبيعتها وقوانينها الخاصة فلا تقاس على دار الدنيا.. وقد عبر القرطبي عن هذه المعاني بقوله:" فإن قيل: كيف يصلون بعد الموت وليس تلك الحال حال تكليف؟ فالجواب: أن ذلك ليس بحكم التكليف، وإنما ذلك بحكم الإكرام لهم والتشريف، وذلك أنهم كانوا في الدنيا حببت لهم عبادة الله تعالى والصلاة بحيث كانوا يلازمون ذلك، ثم توفوا وهم على ذلك، فشرفهم الله تعالى بعد موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يحبون، وما عرفوا به"..
2 ـ من مقتضيات "أشهد أن محمدا رسول الله" التصديق الجازم والتسليم الكامل بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أمور غيبية، وإذا وجد ما يوهم التعارض بين أمر غيبي ورد وثبت من خلال النقل (الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة) مع أمر مع العقل، وجب تقديم النقل على العقل، لأن النقل ثابت، والعقل متغير، ولأن النقل معصوم والعقل ليس كذلك. وإذا وجد ما يوهم التعارض بين النقل الصحيح في أمر غيبي مع العقل، وجب تقديم النقل على العقل، قال ابن قدامة المقدسي في "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه". وقال الشيخ ابن عثيمين: "كان الصحابة رضي الله عنهم يؤمنون بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كما يؤمنون بما يشاهدونه بأعينهم أو أكثر".
3 ـ الأنبياء والرسل مع عصمتهم ومع الخصائص والفضائل التي اختصهم الله عز وجل بها، كغيرهم من البشر لا يملكون شيئا من خصائص الربوبية والألوهية، ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم من الأمر شيء، ولا يملكون شيئا من خزائن الله عز وجل، ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، لكنهم قدوة للبشر في الإيمان، والطاعة، والعبادة، والعمل الصالح، والخلق الحسن.. قال الله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الأنبياء والرسل: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون}(الأعراف:188)، وقال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}(الأحزاب: ). فلا متمسك لأهل الضلال والانحراف الذين يجيزون الاستغاثة بالأنبياء أو اللجوء إليهم ـ فضلا عن غيرهم من الأولياء ـ في الرخاء والشدة، وليس في الكتاب والسنة النبوية الصحيحة دليل يجيز التعلق بالأنبياء أو الأولياء دعاء أو استغاثة، أو نذرا، أو غير ذلك من صور العبادة، التي لا تصلح إلا لله سبحانه وتعالى.. قال ابن القيم مبينا أنواع الشرك: "ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده". وقال ابن تيمية: "والعجب من ذي عقل سليم يستوحي من هو ميت، ويستغيث به، ولا يستغيث بالحي الذي لا يموت"..
الأنبياء والرسل مع فضائلهم وخصائصهم وعلو منزلتهم، كغيرهم من البشر، يفعلون ما يفعل سائر البشر، كالزواج والأكل والشرب، ويصيبهم ما يصيب البشر من الأعراض كالأمراض المعتادة.. وليس من إشكال في القول بخصائصهم وفضائلهم التي اختصهم وفضلهم الله عز وجل بها، من صلاتهم في قبورهم بعد موتهم، وأن الأرض لا تأكل أجسادهم، إلى غير ذلك من خصائصهم التي اختصهم الله عز وجل بها، فكل ذلك قد ثبت بالسنة النبوية الصحيحة..

المقالات

