الإخلاص في العبادة

0 1

من الآيات الداعية إلى إخلاص العبودية لله قلبا، والتزام نهج الإسلام عملا قوله عز من قائل: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين * وأمرت لأن أكون أول المسلمين} (الزمر:11-12).

بعد أن أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب المسلمين بقوله: {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم} (الزمر:10) أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يقول قولا يتعين أنه مقول لغير المسلمين؛ فقد نقل الرازي عن مقاتل: أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى، فأنزل الله: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين}.

وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك -بحسب ابن عاشور- إذا حمل على صريحه، إنما يناسب توجيهه إلى المشركين، الذي يبتغون صرفه عن ذلك. ويجوز أن يكون موجها إلى المسلمين الذين أذن الله لهم بالهجرة إلى الحبشة على أنه توجيه لبقائه بمكة لا يهاجر معهم؛ لأن الإذن لهم بالهجرة للأمن على دينهم من الفتن، فلعلهم ترقبوا أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم معهم إلى الحبشة، فآذنهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله أمره أن يعبد الله مخلصا له الدين، أي: أن يوحده في مكة، فتكون الآية ناظرة إلى قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين} (الحجر:94-95) أي: إن الله أمره بأن يقيم على التبليغ بمكة، فإنه لو هاجر إلى الحبشة لانقطعت الدعوة، وإنما كانت هجرتهم إلى الحبشة رخصة لهم؛ إذ ضعفوا عن دفاع المشركين عن دينهم، ولم يرخص ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.

وقد جاء قريب من هذه الآية بعد ذكر أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومماته لله، أي فلا يخاف من الموت في سبيل الدين، وذلك قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام:162-163).

فكان قوله سبحانه: {لأن أكون أول المسلمين} علة لـ {أعبد الله مخلصا له الدين}، فالتقدير: وأمرت بذلك لأن أكون أول المسلمين، فمتعلق {أمرت} محذوف لدلالة قوله: {أن أعبد الله مخلصا له الدين} عليه. 

ثم ها هنا سؤالان اثنان: 

الأول: كيف عطف {أمرت} في قوله {قل إني أمرت} على (أمرت) في قوله: {وأمرت لأن} وهما واحد؟ أجاب الزمخشري، فقال: "ليسا بواحد؛ لاختلاف جهتيهما، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه، ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين". 

وأجاب ابن عاشور عن السؤال بقوله: عطف قوله {وأمرت} الثاني على {أمرت} الأول؛ للتنويه بهذا الأمر الثاني؛ ولأنه غاير الأمر الأول، بدليل قيد التعليل، فصار ذكر الأمر الأول لبيان المأمور، وذكر الأمر الثاني لبيان المأمور لأجله، ليشير إلى أنه أمر بأمرين عظيمين: أحدهما: يشاركه فيه غيره، وهو أن يعبد الله مخلصا له الدين، والثاني: يختص به، وهو أن يعبده كذلك؛ ليكون بعبادته أول المسلمين، أي: أمره الله بأن يبلغ الغاية القصوى في عبادة الله مخلصا له الدين، فجعل وجوده متمحضا للإخلاص على أي حال، كما قال في الآية الأخرى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.

السؤال الثاني: ما معنى التكرير في قوله: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} وقوله: {قل الله أعبد مخلصا له ديني}؟ أجاب الزمخشري، فقال: "ليس بتكرير؛ لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادة والإخلاص. والثاني: إخبار بأنه يختص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصا له دينه، ولدلالته على ذلك، قدم المعبود على فعل العبادة، وأخره في الأول، فالكلام أولا واقع في الفعل نفسه، وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله؛ ولذلك رتب عليه قوله: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} (الزمر:15) والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير: المبالغة في الخذلان والتخلية". 

قال أهل التفسير: في معنى (الأولية) في قوله تعالى: {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} أوجه: 

- قال ابن عاشور: {أول} هنا مستعمل في مجازه فحسب؛ إذ ليس المقصود من الأولية مجرد السبق في الزمان؛ فإن ذلك حصل، فلا جدوى في الإخبار به، وإنما المقصود أنه مأمور بأن يكون أقوى المسلمين إسلاما، بحيث أن ما يقوم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الإسلام أعظم مما يقوم به كل مسلم كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له) رواه مسلم.

- ويحتمل أن يكون المراد: أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي؛ لأنه أول من خالف دين آبائه، وخلع الأصنام وحطمها.

- وإما أن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاما.

- وإما أن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره؛ لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعا، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون.

- وإما أن أفعل ما أستحق به الأولية من أعمال السابقين، دلالة على السبب بالمسبب، يعني: أن الله أمرني أن أخلص له الدين من الشرك والرياء وكل شوب، بدليل العقل والوحي، فإن عصيت ربي بمخالفة الدليلين، استوجبت عذابه، فلا أعصيه، ولا أتابع أمركم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه.

- وإما أمرت بذلك؛ لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة؛ لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت بالإخلاص، والتقدير: أمرت بالعبادة والإخلاص فيها، وأمرت بذلك لأن أكون أول المخلصين. 

وحاصله -بحسب ابن عجيبة- أمرت بإخلاص الدين، وأمرت أن أكون من السابقين في ذلك زمانا ورتبة؛ لأنه داع إلى الإسلام، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليا به، كما هي سنة الأنبياء والأولياء، لا الملوك والمتجبرين. قال النسفي: "الإخلاص له السبقة في الدين، فمن أخلص كان سابقا". فلا بد من الإسلام في الأعمال الظاهرة، والإخلاص لله في الأعمال الظاهرة والباطنة.

قال ابن عاشور: "واعلم أنه لما كان الإسلام هو دين الأنبياء في خاصتهم، كما في قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران:19) ونظائرها كثيرة، كانت في هذه الآية دلالة على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل؛ لشمول لفظ المسلمين للرسل السابقين".

قال سيد: "هذا الإعلان من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مأمور أن يعبد الله وحده، ويخلص له الدين وحده، وأن يكون بهذا أول المسلمين، وأنه يخاف عذاب يوم عظيم، إن هو عصى ربه...هذا الإعلان ذو قيمة كبرى في تجريد عقيدة التوحيد، كما جاء بها الإسلام؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام هو عبد لله، هذا مقامه لا يتعداه، وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم صفا، وترتفع ذات الله سبحانه متفردة فوق جميع العباد...وهذا هو المراد.

وعند ذلك يقر معنى الألوهية، ومعنى العبودية، ويتميزان، فلا يختلطان ولا يشتبهان، وتتجرد صفة الوحدانية لله سبحانه بلا شريك ولا شبيه. وحين يقف محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام العبودية لله وحده، يعلن هذا الإعلان، ويخاف هذا الخوف من العصيان، فليس هنالك مجال لدعوى شفاعة الأصنام، أو الملائكة بعبادتهم من دون الله، أو مع الله بحال من الأحوال".

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة