- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:الشرك والكفر
خلق الله عز وجل الخلق لعبادته وتوحيده، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات:56). قال القرطبي: "والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون". والله سبحانه وتعالى غني عن خلقه وعن عبادتهم، ولكنه تعبدهم بذلك حتى يسعدوا بالحياة الطيبة في الدنيا والنجاة في الآخرة، قال الله تعالى: {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير}(فاطر:18)، وقال تعالى: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم}(النمل:40)، وقال تعالى: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}(الزمر:7).. وجاء الإسلام بأعظم معروف وهو توحيد الله عز وجل وعبادته، ونهى عن أعظم منكر وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا}(النساء:36). قال السعدي: "يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه، محبة وذلا وإخلاصا له، في جميع العبادات الظاهرة والباطنة. وينهى عن الشرك به شيئا، لا شركا أصغر ولا أكبر". وقد عرف ابن تيمية معنى العبادة فقال: "العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة". فالعبادات جميعها بأنواعها القلبية والفعلية والقولية حق لله تعالى وحده، لا يجوز أن تصرف لغيره، فمن صرف شيئا منها لغير الله عز وجل فقد وقع في الشرك في الألوهية..
والذبح لله عز وجل هو ذبح مأكول اللحم تقربا إلى الله تعالى وتعظيما له ـ كالأضحية، والهدي في الحج، والذبح للتصدق باللحم على الفقراء ونحو ذلك ـ، وهو عبادة من العبادات التي يعبد الله بها ويتقرب إليه بفعلها، ولعظم هذه العبادة وأهميتها قرنها الله تعالى بالصلاة في مواضع من كتابه الكريم، ولهذا كان صرفها لغير الله عز وجل شرك بالله، قال الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}(الأنعام:163:162). وقال تعالى:{فصل لربك وانحر}(الكوثر:2). قال ابن كثير: "قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: {فصل لربك وانحر}(الكوثر:2) أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى". وقال الطبري: "يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، الذين يسألونك أن تتبع أهواءهم على الباطل من عبادة الآلهة والأوثان {إن صلاتي ونسكي} يقول: وذبحي {ومحياي} يقول: وحياتي {ومماتي} يقول: ووفاتي {لله رب العالمين}، يعني: أن ذلك كله له خالصا دون ما أشركتم به أيها المشركون من الأوثان، {لا شريك له} في شيء من ذلك من خلقه، ولا لشيء منهم فيه نصيب، لأنه لا ينبغي أن يكون ذلك إلا له خالصا، {وبذلك أمرت} يقول: وبذلك أمرني ربي، {وأنا أول المسلمين} يقول: وأنا أول من أقر وأذعن وخضع من هذه الأمة لربه بأن ذلك كذلك". وقال السعدي: "{قل إن صلاتي ونسكي} أي: ذبحي، وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال، لما هو أحب إليها وهو الله تعالى".. وقال الطبري في تفسيره لقول الله تعالى: {فصل لربك وانحر}(الكوثر:2): "قال محمد بن كعب في قوله تعالى:{فصل لربك وانحر}: إن ناسا كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فإذا أعطيناك الكوثر - يا محمد - فلا تكن صلاتك ونحرك إلا لي". وقال السعدي: "خص هاتين العبادتين بالذكر، لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات". وقال ابن كثير: "أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة ـ ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته -، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة، ونحرك (وذبحك)، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له". وقال ابن تيمية في تفسيره لقوله تعالى: {فصل لربك وانحر}: "والمقصود: أن الصلاة والنسك هما أجل (أعظم) ما يتقرب به إلى الله.. وأجل العبادات المالية النحر، وأجل العبادات البدنية الصلاة.. وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فكان كثير الصلاة لربه، كثير النحر، حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة، وكان ينحر في الأعياد وغيرها"..
ولعظم الذبح لغير الله عز وجل، فقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك. عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله من ذبح لغير الله) رواه أحمد. وعن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: (سئل علي رضي الله عنه: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: ما خصنا بشيء لم يعم به الناس إلا ما في قراب (جراب) سيفي هذا، فأخرج صحيفة فيها: لعن الله من ذبح لغير الله) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ملعون من سب أباه، ملعون من سب أمه، ملعون من ذبح لغير الله) رواه أحمد.
قال النووي في "شرح صحيح مسلم": "وأما الذبح لغير الله: فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن ذبح للصنم، أو الصليب، أو لموسى، أو لعيسى صلى الله عليهما، أو للكعبة، ونحو ذلك، فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا أو يهوديا، نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرا". وقال أبو القاسم الرافعي القزويني في "الفتح العزيز شرح الوجيز": "اعلم أن الذبح للمعبود وباسمه نازل منزلة السجود له، وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى، الذي هو المستحق للعبادة، فمن ذبح لغيره من حيوان، أو جماد كالصنم، على وجه التعظيم والعبادة، لم تحل ذبيحته، وكان ما يأتي به كفرا، كمن سجد لغيره سجدة عبادة، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه". وفي "فتح المنعم شرح صحيح مسلم": "إن الذي خلق الأرواح، وأودعها في أجسامها، هو المستحق للعبادة والخضوع والتقرب إليه، وحين تعود الأرواح، وتفارق أجسادها تعود إليه وحده، إليه المرجع وإليه المصير، وحين يفرق الإنسان بين روح مأكول اللحم وبين جسمه عملا بشرع ربه، عليه أن يذبح للبارئ الخالق، المحيي والمميت، فيذبح وهو يقول: باسم الله والله أكبر. ولقد كانت الجاهلية تذبح بأسماء آلهتها، وتتقرب بذبيحتها إلى أصنامها، فنزل قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها}(الحج:36)، {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}(الأنعام:121)، ونزل تحريم المذبوح الذي يذكر عليه اسم آلهتهم، فقال تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به}(المائدة:3) وعضدت السنة القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من ذبح لغير الله)". وقال المناوي: "(ملعون من ذبح لغير الله) قال القرطبي: إن كان المراد الكافر الذي ذبح للأصنام فلا خفاء بحاله وهي التي أهل بها والتي قال الله فيها: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}(الأنعام:121)، وأما إن كان مسلما فتناوله عموم هذا اللعن لا تحل ذبيحته".
فائدة:
اللعن معناه: الطرد من رحمة الله تعالى، وهذا بذاته دليل كاف على خطورة الذبح لغير الله عز وجل. قال الأزهري في " تهذيب اللغة": "واللعن لغة: الطرد والإبعاد، ومن أبعده الله لم تلحقه رحمته". وقال ابن الأثير: "أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله". وينبغي أن يعلم أنه لا يجوز لعن الإنسان المعين عند أهل السنة إلا إذا علم موته على الكفر، ويجوز لعن الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ممن شابههم في كفرهم، وكذلك من ثبت فسقه من المسلمين بفعل ما يوجب اللعن، كشرب الخمر وأكل الربا ونحو ذلك، ولكن يكون لعنهم على وجه العموم دون التعيين.. قال ابن حجر الهيثمي في "الزواجر": "فالمعين لا يجوز لعنه وإن كان فاسقا". وقال المناوي في "فيض القدير": "وفي جواز لعن أهل المعاصي من أهل القبلة خلاف، محصوله أن اللعن إما أن يتعلق بمعين، أو بالجنس فلعن الجنس يجوز، والمعين موقوف على السماع من الشارع، ولا قياس". وقال ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية": "ثبت في صحيح البخاري: أن رجلا كان يدعى حمارا (لقبه)، وكان يشرب الخمر، وكان يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه، فأتي به إليه مرة، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله). فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنة هذا المعين الذي كان يكثر شرب الخمر معللا ذلك بأنه يحب الله ورسوله، مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر مطلقا، فدل ذلك على أنه يجوز أن يلعن المطلق ولا تجوز لعنة المعين الذي يحب الله ورسوله، ومن المعلوم أن كل مؤمن لا بد أن يحب الله ورسوله".. وقال ابن القيم في "زاد المعاد": "وأما المعين، فقد يقوم به ما يمنع لحوق اللعن به من حسنات ماحية، أو توبة، أو مصائب مكفرة، أو عفو من الله عنه، فتلعن الأنواع دون الأعيان". وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين": "وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة)، وأنه قال: (لعن الله آكل الربا)، وأنه لعن المصورين.. وأنه قال: (لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله).. وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، وجميع هذه الألفاظ في الصحيح، بعضها في صحيحي البخاري ومسلم وبعضها في أحدهما، وإنما قصدت الاختصار بالإشارة إليها.. لما ذكر المؤلف (الإمام النووي) رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) تحريم لعن المعين، وأنه لا يجوز أن تلعن شخصا معينا ولو كان كافرا مادام حيا، لأنك لا تدري فلعل الله أن يهديه عز وجل فيعود إلى الإسلام إن كان مرتدا، أو يسلم إن كان كافرا أصليا، ذكر بعد ذلك ـ رحمه الله ـ بابا في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين لأن هناك فرقا بين المعين وبين العام، فيجوز أن تلعن أصحاب المعاصي على سبيل العموم إذا كان ذلك لا يخص شخصا بعينه، ثم استدل رحمه الله بآيات وأحاديث.. وعلى هذا فيجوز أن تقول: اللهم العن الظالمين على سبيل العموم، ما هو شخص واحد معين، فيشمل كل ظالم.. وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن الواصلة والمستوصلة) وهذا في النساء، الواصلة التي تصل الشعر بشعر آخر والمستوصلة التي تطلب من يصل هذا، فهاتان امرأتان ملعونتان على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، الواصلة والمستوصلة، لكن لو رأيت امرأة معينة تصل (شعر) امرأة أخرى معينة تطلب من يصل شعر رأسها فلا يجوز أن تلعن هذه المعينة..". وقال أيضا ـ الشيخ ابن عثيمين ـ: "الفرق بين لعن المعين، ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم، فالأول ممنوع، والثاني جائز.. والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صار يلعن أناسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: (اللهم العن فلانا، وفلانا، وفلانا) نهي عن ذلك بقوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}(آل عمران: 128)، فالمعين ليس لك أن تلعنه، وكم من إنسان صار على وصف يستحق به اللعنة، ثم تاب، فتاب الله عليه".
الذبح عبادة من العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، وقد قرنها الله عز وجل بالصلاة. ولعظم وخطورة الذبح لغير الله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من ذبح لغير الله). فمن صرف هذه العبادة (الذبح) أو غيرها من العبادات ـ كالدعاء والسؤال، والاستعاذة والاسغاثة، والنذر والصدقة ـ لمن مات من الأنبياء أو الأولياء، تعظيما وإرضاء لهم، ورجاء بركتهم وقضائهم للحاجات، فإن هذا من الشرك الذي يؤدي فاعله إلى لعنة الله عز وجل.. قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "فالذبح للمعبود غاية الذل والخضوع له، ولهذا لم يجز الذبح لغير الله.. ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من ذبح لغير الله". وقال الشيخ ابن باز: "من ذبح لغير الله فقد أشرك بالله، كما لو صلى لغير الله، لأن الله سبحانه جعل الصلاة والذبح قرينين، وأخبر أنهما لله وحده لا شريك له، فمن ذبح لغير الله من الجن والملائكة والأموات وغيرهم، يتقرب إليهم بذلك، فهو كمن صلى لغير الله".
وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح ثلاثة الأصول": "الذبح إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص، ويقع على وجوه، الأول: أن يقع عبادة بأن يقصد به تعظيم المذبوح له، والتذلل له، والتقرب إليه، فهذا لا يكون إلا لله تعالى على الوجه الذي شرعه الله تعالى، وصرفه لغير الله شرك أكبر ودليله قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له}(الأنعام:163:162). الثاني: أن يقع إكراما لضيف، أو وليمة لعرس أو نحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبا أو استحبابا لقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).. الثالث: أن يقع على وجه التمتع بالأكل أو الإتجار به ونحو ذلك، فهذا من قسم المباح فالأصل فيه الإباحة لقوله تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون}(يس:72:71)، وقد يكون مطلوبا أو منهيا عنه (أي الذبح) حسبما يكون وسيلة له"..

المقالات

