- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:معجم أسماء الله الحسنى
أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية، لا مجال للعقل والاجتهاد فيها، يجب الوقوف فيها على ما جاء به القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة.. وأهل السنة يثبتون ما أثبته الله عز وجل لنفسه ـ من أسماء وصفات ـ في كتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، من غير تحريف (صرف اللفظ عن معناه الحقيقي)، ولا تعطيل (نفي أسماء الله أو صفاته)، ومن غير تكييف (ليس المقصود نفي وجود كيفية لصفات الله، وإنما المقصود نفي علم الخلق بهذه الكيفية) ولا تمثيل (اعتقاد مماثلة أي شيء من صفات الله تعالى لصفات المخلوقات)، كما ينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الله عز وجل أعلم بنفسه من غيره، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه..
قال أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني: "ويعتقدون ـ يعني: أهل السنة والجماعة ـ أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم". وقال ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية": "ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. يثبتون له الأسماء والصفات". وقال الشيخ ابن عثيمين: "أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها، وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص، لقول الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}(الإسراء:36).. ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه، جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص"..
والله عز وجل ليس كمثله شيء، فإنه سبحانه الكامل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، الذي دلت النصوص والعقول على أنه لا نظير له سبحانه وتعالى، فلا مثيل له في ربوبيته، ولا مثيل له في إلهيته، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(الشورى:11). قال السعدي: "{ليس كمثله شيء} أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفات كمال وعظمة".
و"القوي" اسم من أسماء الله تعالى الحسنى.. فالله سبحانه ذو القوة المتين أي: ذو الاقتدار الشديد، وهو القوي الشديد الذي لا تنقطع قوته، ولا يلحقه في أفعاله مشقة ولا كلفة ولا تعب، وهو سبحانه بالغ القدرة تامها، قوي لا تتناقص قوته فيضعف ـ تعالى الله عز وجل عن ذلك ـ..
قال الزجاجي: "القوي: ذو القوة والأيد، ويقال لمن أطاق شيئا وقدر عليه: قد قوي عليه، ولمن لم يقدر عليه: قد ضعف عنه، فالله عز وجل قوي قادر على الأشياء كلها، لا يعجزه شيء منها". وقال الطبري: "القوي: الذي لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، ينفذ أمره، ويمضي قضاؤه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه". وقال الخطابي في "شأن الدعاء": "هو الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والمخلوق وإن وصف بالقوة فإن قوته متناهية وعن بعض الأمور قاصرة". وقال السعدي: "القوي المتين، هو في معنى العزيز، والعزيز الذي له العزة كلها، عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة، وخضعت لعظمته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوته أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى (بعد الموت بأن صاروا عظاما بالية) وعصفت بهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار (الأرض الخالية من الكلأ والماء والناس)، ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، فسبحان القوي المتين". وقال ابن القيم في "شفاء العليل": "لو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم، ثم أعطي كل منهم مثل تلك القوة، لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة العرش!".
وقد رد اسم الله عز وجل "القوي" في الكثير من الآيات القرآنية، ومن ذلك:
1 ـ قال الله تعالى: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب}(الأنفال:52). قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "{إن الله قوي} بالأخذ {شديد العقاب} إذا عاقب". وقال ابن كثير: "أي: لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب". وقال السعدي: "{بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب} لا يعجزه أحد يريد أخذه".
2 ـ قال تعالى: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز}(هود:66). قال الطبري: "{إن ربك هو القوي} في بطشه إذا بطش بشيء أهلكه، كما أهلك ثمود حين بطش بها". وقال السعدي: "{إن ربك هو القوي العزيز} ومن قوته وعزته أن أهلك الأمم الطاغية ونجى الرسل وأتباعهم".
3 ـ قال الله تعالى: {ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز}(الحج:74). قال ابن كثير: "أي هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء". وقال السعدي: "{إن الله لقوي عزيز} أي: كامل القوة، كامل العزة، من كمال قوته وعزته، أن نواصي الخلق بيديه، وأنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بإرادته ومشيئته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن كمال قوته أنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ومن كمال قوته أنه يبعث الخلق كلهم، أولهم وآخرهم بصيحة واحدة، ومن كمال قوته أنه أهلك الجبابرة والأمم العاتية بشيء يسير، وسوط من عذابه".
4 ـ قال تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا}(الأحزاب:25). قال الطبري: "وقوله: {وكان الله قويا عزيزا} يقول: وكان الله قويا على فعل ما يشاء فعله بخلقه، فينصر من شاء منهم على من شاء أن يخذله، لا يغلبه غالب".
5 ـ قال الله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز}(المجادلة:21). قال السعدي: "وعد لمن آمن به وبرسله، واتبع ما جاء به المرسلون، فصار من حزب الله المفلحين: أن لهم الفتح والنصر والغلبة في الدنيا والآخرة، وهذا وعد لا يخلف ولا يغير، فإنه من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده".
6 ـ قال تعالى: {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز}(الشورى:19). قال الطبري: "{وهو القوي} الذي لا يغلبه ذو أيد لشدته، ولا يمتنع عليه إذا أراد عقابه بقدرته". وقال ابن كثير: "{وهو القوي العزيز} أي: لا يعجزه شيء". وقال السعدي: "{وهو القوي العزيز} الذي له القوة كلها، فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين إلا به، الذي دانت له جميع الأشياء".
7 ـ قال الله تعالى: {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز}(الحديد:25). قال ابن كثير: "{إن الله قوي عزيز} أي: هو قوي عزيز، ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض".
وقال ابن القيم في "مدارج السالكين": {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}(الذاريات:58) فعلم أن "القوي" من أسمائه، ومعناه: الموصوف بالقوة". وقال في قصيدته "النونية":
وهو القوي له القوى جمعا تعالى الله ذو الأكوان والسلطان
وقال الشيخ هراس في "شرحه النونية": "أما القوي: فهو ذو القوة، وقوته سبحانه لا يطرأ عليها ما يطرأ على القوى المخلوقة من وهن وفتور، أو تلاش وزوال.. وجميع القوى المخلوقة هي له سبحانه فهو الذي أودع المخلوقات ما فيها من قوة ولو شاء لسلبها، ولهذا جاء في الحديث أن (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)"..
من أعظم ما يقوي الإيمان ويزيده معرفة أسماء الله تعالى الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد لله تعالى وسؤاله بها، قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون}(الأعراف:180).. ومن آثار العلم والإيمان باسم الله تعالى "القوي": العلم واليقين بأن القوة جميعا لله عز وجل وحده لا شريك له، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وينصر من يشاء.. فالعزيز من أعزه الله العزيز القوي، والذليل من أذله الله، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله الله، قال الله تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون}(آل عمران:160)، وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز}(المجادلة:21).. والمؤمن الذي يعلم ويؤمن أن من أسماء الله تعالى الحسنى "القوي" {وهو القوي العزيز}(الشورى:19)، وأن من أوصافه تعالى القوة المطلقة التي يقدر بها على كل شيء، فإنه يدرك تماما أنه لا قوة له على فعل أي شيء أو اجتنابه إلا بتوفيق الله عز وجل وقوته وعونه. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة هي من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله) رواه البخاري. قال النووي: "ومعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة، وهو ثواب نفيس كما أن الكنز أنفس أموالكم.. قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك شيئا من الأمر". وقال ابن القيم: "وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق". وقال القاضي عياض: "هذه كلمة استسلام وتفويض واعتراف بالعجز، وأن العبد لا يملك مع الله شيئا". وقال ابن تيمية: "وقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" يوجب الإعانة.. وذلك أنها تتضمن التوكل والافتقار إلى الله تعالى"..

المقالات

