- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:من البعثة إلى الهجرة
أثنى الله تعالى على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه الكريم، ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن، ووعدهم المغفرة والأجر العظيم، وقد كثرت الأحاديث النبوية في مدحهم، مما يدل دلالة واضحة على أن الله تعالى حباهم من الفضائل وخصهم من كريم الخصال ما نالوا به ذلك الشرف العالي، وتلك المنزلة الرفيعة.. وقد نال الصحابة رضوان الله عليهم هذا الفضل الكبير بالسبق في الدخول في الإسلام، والإيمان بالنبي النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته، قال الله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما}(الفتح:29). قال السعدي: "يخبر تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال.. فالصحابة رضي الله عنهم، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة".. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد (المد ملء كفي الرجل) أحدهم ولا نصيفه (نصف المد)) رواه البخاري. (فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) معناه: لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبا، ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أحد أصحابي مدا، وهو ما يملأ الكفين، والنصيف: النصف.. قال الطيبي: "أنه لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضيلة والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصفه لما يقارنه من مزيد الإخلاص وصدق النية وكمال النفس". وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".. ومما لا شك فيه أن أول من أسلم من الصحابة رضوان الله عليهم لهم سبق وقدم ومنزلة عظيمة في الإسلام، فقد شهدوا بدايته، وعلموا أحداثه، وما مر بالنبي صلى الله عليه وسلم منذ بداية بعثته، والتفافهم حوله ونصرته، والدفاع عنه وحمايته..
أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم:
أول من آمن بالله ورسوله أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلال بن رباح، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين..
قال ابن هشام في السيرة النبوية": "وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته (عاونته وأيدته) على أمره، وكانت أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء منه". وقال ابن حجر الهيتمي عن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في "أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل": "وهي أول من آمن، قيل: مطلقا وقيل: من النساء". وقال القرطبي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": "وهو (أبو بكر) أول من أسلم من الرجال، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم".
وقد اختلف في أول من أسلم اختلافا كثيرا، فقيل: خديجة رضي الله عنها، وقيل: أبو بكر رضي الله عنه، وقيل: علي رضي الله عنه، وقيل غير ذلك، وذهب إلى كل فريق.. وقد ذكر العلماء وأهل السير ـ بعد جمعهم بين روايات كثيرة ومتعددة فيمن أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ـ: أن أول الرجال إسلاما أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأول النساء إسلاما أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وأول الموالي إسلاما زيد بن حارثة رضي الله عنه، وأول الصبيان إسلاما علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. وذكروا أن أبا بكر رضي الله عنه دخل على يديه وبدعوته في الإسلام صفوة من أوائل الصحابة إسلاما، ومنهم عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين.. قال ابن هشام في "السيرة النبوية": "فأسلم بدعائه (بدعوة أبي بكر) عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله".
وقد جمع ووفق الإمام أبو حنيفة بين الأقوال في أول من أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم توفيقا حسنا، وهو الذي عليه بعض المحققين كابن الصلاح والنووي وغيرهما، حيث قال كما ذكر السفاريني الحنبلي في "لوامع الأنوار البهية"، والعراقي في "شرح مقدمة ابن الصلاح": "ويروى عن أبي حنيفة الإمام رضي الله عنه أنه قال: الأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال، وهذا من أحسن ما قيل لجمعه الأقوال، وأسلم على يد الصديق: عثمان بن عفان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص".. وقال ابن تيمية في "منهاج السنة" في كلامه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "وقد أجمع الناس على أنه أول من آمن به من الرجال الأحرار، كما أجمعوا على أن أول من آمن به من النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة".
وقال الكرماني في "الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري": "واختلف العلماء في أول من أسلم من الأمة فقيل خديجة، وقيل أبو بكر، وقيل علي، والصحيح خديجة، ثم أبو بكر، ثم علي، والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال". وقال العراقي في "طرح التثريب في شرح التقريب": "قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان الأحداث علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. والله أعلم". وقال ابن حجر في "فتح الباري": "وقد اتفق الجمهور على أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال"..
الصحابة رضوان الله عليهم ـ عامة ـ وأول من أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ـ خاصة ـ، هم من أفضل الناس بعد الأنبياء، وقد نالوا هذه الأفضلية بإيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتصديقهم ونصرتهم له، وصحبتهم وجهادهم معه، ومسارعتهم إلى كل خير دعاهم إليه، فبلغوا منازل لم يبلغها غيرهم، ومنهم من اصطفاه الله تعالى للسبق في دخول الإسلام، فاستحقوا ثناء ربهم عليهم بسرعة إسلامهم، وصدق إيمانهم، وصلاح عملهم، قال الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ۚ ذلك الفوز العظيم}(التوبة:100). قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم.. قد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه". وقال ابن عاشور: "والمقصود بالسبق السبق في الإيمان"..
خديجة رضي الله عنها أول من أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من النساء ـ وهي زوج النبي عليه الصلاة والسلام ـ، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو صديقه الوفي أول من آمن من الرجال، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أول من آمن من الصبيان، وهو في رعايته وبيته، وزيد بن حارثة مولاه أول من أسلم من الموالي، وأسلم بعدهم الكثير والكثير من الرجال والنساء.. وقد أسلم الكثير من هؤلاء الأوائل سرا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يجتمع بهم ويعلمهم ويرشدهم إلى الدين سرا، لأن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية.. قال ابن هشام في "السيرة النبوية": "ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا (جماعات) من الرجال والنساء، حتى فشا (انتشر) ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به. ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه"..

المقالات

