لفظ (صرف) في القرآن الكريم

0 1

في معاجم اللغة أن (الصاد) و(الراء) و(الفاء) أصل يدل على رجع الشيء؛ من ذلك صرف القوم صرفا وانصرفوا، إذا رجعهم فرجعوا. قال الراغب الأصفهاني: الصرف: رد الشيء من حالة إلى حالة، أو إبداله بغيره، يقال: صرفته فانصرف. وقال الخليل: الصرف فضل الدرهم على الدرهم في القيمة. ومعنى (الصرف) أنه شيء صرف إلى شيء، كأن الدينار صرف إلى الدراهم، أي رجع إليها، إذا أخذت بدله. قال الخليل: ومنه اشتق اسم الصيرفي؛ لتصريفه أحدهما إلى الآخر. قال: وتصريف الدراهم في البياعات كلها: إنفاقها. قال أبو عبيد: صرف الكلام: تزيينه والزيادة فيه، وإنما سمي بذلك؛ لأنه إذا زين صرف الأسماع إلى استماعه. ويقال لحدث الدهر: صرف، والجمع: صروف، وسمي بذلك؛ لأنه يتصرف بالناس، أي: يقلبهم ويرددهم. والصرف: الليل والنهار، وهما صرفان، بفتح الصاد وبكسرها.

ومادة (صرف) بمشتقاتها وردت في القرآن الكريم في ثمانية وعشرين (28) موضعا، وردت في صيغة الفعل في أربعة وعشرين (24) موضعا، وقد وردت بصيغة الفعل بأنواعه الثلاثة، من ذلك قوله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} (الإسراء:41) ووردت بصيغة الاسم في أربعة مواضع من ذلك قوله الحق سبحانه: {وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض} (البقرة:164). 

ومادة (صرف) بمشتقاتها وردت في القرآن الكريم على عدن معان، من ذلك: 

- صرف بمعنى (الميل إلى الشيء والإقبال عليه)، من ذلك قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} (الجن:1) قال الزمخشري: أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك. والخطاب في الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 

- صرف بمعنى (الصد عن الشيء والدفع عنه)، من ذلك قوله عز وجل: {صرف الله قلوبهم} (التوبة:127) أي: صدها عن الحق وخذلها. ونحوه قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} (الأعراف:146) أي: سأصد عن آياتي، أي: عن تعطيلها وإبطالها. قال قتادة: سأصدهم عن الإعراض والطعن والتحريف والتبديل والتغيير، وقال سفيان بن عيينة: سأمنعهم من تدبرها ونظرها النظر الصحيح المؤدي إلى الحق. وعلى هذا المعنى قوله تعالى: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء} (النور:43) أي: يدفع سبحانه البرد عن من يشاء من عباده، فلا ينالهم ضر ولا أذى. وبحسب هذا المعنى كذلك قوله تعالى: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} (يوسف:33) أي: تدفع عني كيدهم وتصد عني مكرهم. ومنه أيضا قوله عز وجل: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} (يوسف:24). 

- صرف بمعنى (التبين والتبيان)، من ذلك قوله سبحانه: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} (الإسراء:89) أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل؛ احتجاجا بذلك كله عليهم، وتذكيرا لهم، وتنبيها على الحق؛ ليتبعوه ويعملوا به. 

- صرف بمعنى (القسمة)، من ذلك قوله تعالى: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} (الفرقان:50) أي: ولقد قسمنا هذا الماء الذي أنزلناه من السماء طهورا؛ لنحيي به الميت من الأرض بين العباد؛ ليتذكروا نعم الله عليهم، ويشكروا أياديه عندهم وإحسانه إليهم. وقد روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (ما عام بأكثر مطرا من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه) ثم قرأ: {ولقد صرفناه بينهم}. وعن مجاهد، قال: المطر ينزله في الأرض، ولا ينزله في الأرض الأخرى.

- صرف بمعنى (الرد بالهزيمة)، من ذلك قوله عز وجل: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} (آل عمران:153) قال الطبري: "فرد وجوهكم عنهم؛ لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الآخرة". وقال القرطبي: "بعد أن استوليتم عليهم، ردكم عنهم بالانهزام". وقال البغوي: "ردكم عنهم بالهزيمة". 

- صرف بمعنى (التصرف في الأمر، وتقليب وجوهه)، من ذلك قوله جل شأنه: {وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض} (البقرة:164) أي: تارة تكون الرياح باردة وحارة، وجنوبا وشمالا، وشرقا ودبورا وبين ذلك، وتارة تثير السحاب، وتارة تؤلف بينه، وتارة تلقحه، وتارة تدره، وتارة تمزقه وتزيل ضرره، وتارة تكون رحمة، وتارة ترسل بالعذاب، وأودع فيها من منافع العباد، ما لا يستغنون عنه، وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات، وتصلح الأبدان والأشجار، والحبوب والنوابت. قال القرطبي: "تصريفها: إرسالها عقيما وملقحة، وصرا -برد يضرب النبات والحرث- ونصرا وهلاكا، وحارة وباردة، ولينة وعاصفة". وقال الطبري: "(تصريفها) تصريف الله لها، و(تصرفها) اختلاف هبوبها".

- صرف بمعنى (الدفع والإقصاء)، من ذلك قوله تعالى: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم} (الفرقان:65) أي: ادفع عنا عذاب جهنم بالعصمة من أسبابه، ومغفرة ما وقع منا مما هو مقتض للعذاب. قال ابن عاشور: "المراد بـ (صرف العذاب) إنجاؤهم منه بتيسير العمل الصالح وتوفيره، واجتناب السيئات". ونحوه قوله عز وجل: {من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه} (الأنعام:16) قال الزمخشري: المعنى من يدفع الله عنه ويحفظه فقد رحمه في الآخرة. ومن وفقه الله لتجنب أسباب ذلك العذاب، فهو قد قدر الله له الرحمة، ويسر له أسبابها. وبحسب هذا المعنى قوله عز وجل: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} (هود:8) يقول: ليس يصرف العذاب عنهم صارف، ولا يدفعه عنهم دافع، ولكنه يحل بهم فيهلكهم. ويحمل على هذا المعنى أيضا قوله عز وجل: {فما تستطيعون صرفا ولا نصرا} (الفرقان:19) أي، لا يقدرون على دفع ضر عنهم، ولا إلحاق ضر بمن يغلبهم.

- صرف بمعنى (العدول عن الشيء)، من ذلك قوله سبحانه: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} (غافر:69) قال الطبري: أي وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد. وعن قتادة {أنى يصرفون} أنى يكذبون ويعدلون. وقال السعدي: كيف يعدلون عنها؟ وإلى أي شيء يذهبون بعد البيان التام؟ هل يجدون آيات بينات تعارض آيات الله؟ ووفق هذا المعنى قوله سبحانه: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} (الكهف:53) أي: لم يجدوا عن النار التي رأوا معدلا يعدلون عنها إليه. 

- صرف بمعنى (التنويع والتفنين)، جاء على هذا قوله عز وجل: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون} (طه:113) أي: نوعناها أنواعا كثيرة، تارة بذكر أسمائه الدالة على العدل والانتقام، وتارة بذكر المثلات -العقوبات- التي أحلها بالأمم السابقة، وأمر أن تعتبر بها الأمم اللاحقة، وتارة بذكر آثار الذنوب، وما تكسبه من العيوب، وتارة بذكر أهوال القيامة، وما فيها من المزعجات والمقلقات، وتارة بذكر جهنم وما فيها من أنوع العقاب وأصناف العذاب، كل هذا رحمة بالعباد، {لعلهم يتقون} الله، فيتركون من الشر والمعاصي ما يضرهم، {أو يحدث لهم ذكرا} فيعملون من الطاعات والخير ما ينفعهم، فكونه {عربيا}، وكونه (مصرفا فيه) من الوعيد، أكبر سبب، وأعظم داع للتقوى والعمل الصالح، فلو كان غير عربي، أو غير مصرف فيه، لم يكن له هذا الأثر. والكلام للشيخ السعدي، وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وابن عاشور أيضا. 

ومن هذا القبيل قوله تعالى: {انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون} (الأنعام:46) قال ابن عاشور: "تصريف الآيات اختلاف أنواعها؛ بأن تأتي مرة بحجج من مشاهدات في السماوات والأرض، وأخرى بحجج من دلائل في نفوس الناس، ومرة بحجج من أحوال الأمم الخالية التي أنشأها الله، فالآيات هنا هي دلائل الوحدانية". وقال أيضا: "وتصريف الآيات تنويعها بالترغيب تارة، والترهيب أخرى". ونحو هذا قول الباري سبحانه: {انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون} (الأنعام:65). وقوله عز وجل: {كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} (الأعراف:58).

ومما سبق يتبين أن لفظ (صرف) بمشتقاته قد ورد في القرآن على عدة معان، ترجع في أصلها اللغوي إلى رد الشيء من حالة إلى حالة؛ فجاء بمعنى الميل إلى الشيء، وبمعنى الصد عن الشيء، وبمعنى العدول عن الشيء والانصراف عنه، وبمعنى التصرف في الأمر وتقليب وجوهه، وبمعنى التبيين والتبيان، وبمعنى الدفع والإقصاء، وبمعنى القسمة، وبمعنى التنويع. 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة