- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:الشرك والكفر
العقيدة الإسلامية الصحيحة تحقق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، لصحة دلائلها، وموافقتها القلوب السليمة، والفطر القويمة، والعقول الصحيحة.. والمسلم مأمور باتقاء أسباب الشر والبلاء، واجتناب ما جرت العادة بأنه يهلك ويؤذي، مع الاعتقاد واليقين بأن الله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق ولا مقدر غيره سبحانه، وأنه تعالى وحده بيده النفع والضر.. والإسلام جاء ليهدم المعتقدات الفاسدة، ويدفع الأوهام والخيالات التي تعبث بالعقول، والتطير وهو بمعنى التشاؤم من أخلاق ومعتقدات الجاهلية التي نهى الإسلام عنها، فما أصاب العباد لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وما وقع ويقع في الأرض من ضر أو مصيبة، إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ قبل خلق النفوس، قال الله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير}(الحديد:22). قال السعدي: "يقول تعالى مخبرا عن عموم قضائه وقدره: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم} وهذا شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتبت في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير، وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا ييأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودفع النقم"..
وقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التطير والتشاؤم، وحثنا على التفاؤل فقال: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة) رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عدوى (تؤثر بطبعها، وإنما يحدث هذا بقدر الله وتقديره)، ولا طيرة (ولا تشاؤم)، ولا هامة، ولا صفر) رواه البخاري. وفي رواية للبخاري: (لا طيرة، وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم).
قوله صلى الله عليه وسلم: (وخيرها الفأل) أي: خير الطيرة، وليس المعنى أن في الطيرة خيرا، ولكن المراد أن خير تلك الظنون التي يظهر آثار لها في الواقع هو الفأل، فاستفسر الصحابة عن معنى الفأل فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم). قال الهروي: "وإنما نشأ هذا السؤال (قالوا: وما الفأل؟) لما في نفوسهم من عموم الطيرة الشامل للتشاؤم والتفاؤل المتعارف فيما بينهم". وقال السيوطي: "قال الحليمي: إنما مدح الفأل دون الطيرة، لأن التشاؤم سوء ظن بالله بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله على كل حال".
وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى) هذا نفي لما كانوا يعتقدونه من مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره، وأنها تؤثر بطبعها، فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر ليس كذلك، وإنما الله عز وجل هو الذي يقدر المرض وينزل الداء، وأن العدوى لا تؤثر بطبعها، وإنما يحدث هذا بقدر الله وتقديره، وهذا لا يتعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه) رواه البخاري. فقد أزال العلماء هذا التعارض الموجود في ظاهر هذه الأحاديث وجمعوا بينها. قال النووي: "ومثال الجمع حديث: (لا عدوى) مع حديث (لا يورد ممرض على مصح)، ووجه الجمع أن الأمراض لا تعدى بطبعها، ولكن جعل الله سبحانه وتعالى مخالطتها سببا للإعداء، فنفى في الحديث الأول ما يعتقده الجاهلية من العدوى بطبعها، وأرشد في الثاني إلى مجانبة ما يحصل عنده الضرر عادة بقضاء الله وقدره وفعله".
وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا طيرة) من التطير، وهو التشاؤم، فلا يظن أحد أن ما جعله سببا للتشاؤم، سواء كان مخلوقا، أو مكانا، أو زمانا، هو السبب فيما يحدث له، بل كل شيء بقدر الله عز وجل. وقوله: (ولا هامة) هي اسم لطائر يطير بالليل كانوا يتشاءمون به. وقوله: (ولا صفر) وهو الشهر المعروف، كانوا يتشاءمون به، وهو شهر من شهور الله، يقع فيه الخير والشر، ولا شيء يقع فيه ولا في غيره من الشهور والأيام إلا بقدر الله عز وجل.
وفي هذا الحديث (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل) برواياته: النهي عن التشاؤم بالأسماء والألفاظ والأماكن والأشخاص والزمان، لأن كل شيء بقدر الله، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه بين محذورين ومرغوب، فالمحذوران هما: العدوى والطيرة، والمرغوب هو: الفأل، وهذا من حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
التطير والتشاؤم:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الطيرة - التي تعني التشاؤم بالشيء ـ، بل وحكم عليها بالشرك، وإنما كانت كذلك، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تجلب لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا، إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا بالله عز وجل، ففيها تعلق القلب بغير الله، ولأنها من أعمال أهل الشرك. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك) رواه أبو داود.
قال ابن حجر في "فتح الباري": "الطـيرة - بكسر المهملة وفتح التحتانية وقد تسكن - هي التشاؤم". وقال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر": "الطيرة - بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن - هي التشاؤم بالشيء". وقال النووي: "الطيرة شرك أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر، إذا عملوا بمقتضاها معتقدين تأثيرها فهو شرك لأنهم جعلوا لها أثرا في الفعل والإيجاد.. والتطير التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قول، أو فعل، أو مرئي".
وقال المناوي في "فيض القدير": "(الطيرة شرك): أي: من الشرك، لأن العرب كانوا يعتقدون أن ما يتشاءمون به سبب يؤثر في حصول المكروه، وملاحظة الأسباب في الجملة شرك خفي، فكيف إذا انضم إليها جهالة فاحشة، وسوء اعتقاد، ومن اعتقد أن غير الله ينفع أو يضر استقلالا فقد أشرك".
وقال ابن عبد البر في "التمهيد": "من تطير فقد أثم، وإثمه على نفسه في تطيره، لترك التوكل وصريح الإيمان، لأنه يكون ما تطير به على نفسه في الحقيقة، لأنه لا طيرة حقيقة ولا شيء إلا ما شاء الله في سابق علمه، والذي أقول به في هذا الباب: تسليم الأمر لله عز وجل، وترك القطع على الله بالشؤم في شيء". وقال القرطبي: "كان عليه الصلاة والسلام يكره الطيرة، لأنها من أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل".
وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "الطيرة بأن يكون قد فعل أمرا متوكلا على الله، أو يعزم عليه، فيسمع كلمة مكروهة مثل ما يتم، أو ما يفلح، ونحو ذلك فيتطير، ويترك الأمر فهذا منهي عنه". وقال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة": "أوضح صلى الله عليه وسلم لأمته الأمر، وبين لهم فساد الطيرة، ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، لتطمئن قلوبهم، ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار"..
وقال الشيخ ابن باز في "القول المفيد على كتاب التوحيد": "قوله: (الطيرة) هي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وقيل: التشاؤم بمعلوم مرئيا كان أو مسموعا، زمانا كان أو مكانا، وهذا أشمل، فيشمل ما لا يرى ولا يسمع، كالتطير بالزمان. وأصل التطير: التشاؤم، لكن أضيفت إلى الطير، لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، فعلقت به، وإلا فإن تعريفها العام: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم. وكان العرب يتشاءمون بالطير وبالزمان وبالمكان وبالأشخاص، وهذا من الشرك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم ضاقت عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم.. فالتشاؤم ينبغي للإنسان ألا يطرأ له على بال، لأنه ينكد عليه عيشه، فالواجب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يعجبه الفأل، فينبغي للإنسان أن يتفاءل بالخير ولا يتشاءم".
التفاؤل:
الفأل أو التفاؤل فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة حين سأله أصحابه رضوان الله عليهم: (قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم).
قال الخطابي: "الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله تعالى، والطيرة وإنما هي من طريق الاتكال على ما سواه". وقال ابن هبيرة: "وأما الفأل فقد فسره أن الكلمة الطيبة يسمعها المسلم فيستدل بها على ما يسره، والمعنى في ذلك أن الشرع نهى عن الطيرة والتشاؤم، واستحب التفاؤل لأن الفأل حسن ظن بالله تعالى، والطيرة سوء ظن به عز وجل".
وقال النووي: "(الفأل) فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة. قال العلماء: وإنما أحب الفأل لأن الإنسان إذا أمل فائدة الله تعالى وفضله عند سبب قوي أو ضعيف فهو على خير في الحال، وإن غلط في جهة الرجاء فالرجاء له خير، وأما إذا قطع رجاءه وأمله من الله تعالى فإن ذلك شر له، والطيرة فيها سوء الظن وتوقع البلاء. ومن أمثال التفاؤل أن يكون له مريض فيتفاءل بما يسمعه، فيسمع من يقول: يا سالم، أو يكون طالب حاجة فيسمع من يقول: يا واجد، فيقع في قلبه رجاء البرء أو الوجدان".
وقال ابن القيم: "وهذا الذي جعله الله سبحانه في طباع الناس وغرائزهم من الإعجاب بالأسماء الحسنة، والألفاظ المحبوبة، وهو نظير ما جعل في غرائزهم من الإعجاب بالمناظر الأنيقة، والرياض المنورة، والمياه الصافية، والألوان الحسنة، والروائح الطيبة، والمطاعم المستلذة، وذلك أمر لا يمكن دفعه ولا يجد القلب عنه انصرافا، فهو ينفع المؤمن ويسر نفسه وينشطها، ولا يضرها في إيمانها وتوحيدها، وأخبر صلى الله وعليه وسلم أن الفأل من الطيرة وهو خيرها، فقال: (لا طيرة، وخيرها الفأل) فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ولكنه خيرها"..
التفاؤل سنة نبوية، وصفة إيجابية للنفس السوية، يترك أثره على تصرفات الإنسان ومواقفه، ويمنحه سلامة نفس وهمة عالية، ويزرع فيه الأمل، ويحفزه على العمل، والتفاؤل ما هو إلا تعبير صادق عن الرؤية الطيبة والإيجابية للحياة.. والتفاؤل نور في الظلمات، وعمل قلبي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، وهو مقرون بالإيمان بالله عز وجل، ومعرفة الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، لأن المؤمن يستشعر معية الله {لا تحزن إن الله معنا}(التوبة:40)، كما يعرف ربه بأسمائه الحسنى وأنه أرحم الراحمين {وهو أرحم الراحمين}(يوسف:64)، لطيف بالعباد {الله لطيف بعباده}(الشورى:19)، وسعت رحمته كل شيء {ورحمتي وسعت كل شيء}(الأعراف: 156)، يدافع عن المؤمنين {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}(الحج: 38)، واسع المغفرة وقابل التوب {غافر الذنب وقابل التوب}(غافر:3)، ناصر لعباده المؤمنين {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}(غافر:51).. وغيرها من صفات الله الحسنى التي تجعل المؤمن في تطلع للأمل، وتوقع للخير، وانتظار دائم للفرج، وهذه كلها تصب في معنى التفاؤل الذي أمر به وحث عليه نبينا صلى الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، وربى عليه أصحابه رضوان الله عليهم..
وفي المقابل هناك علاقة وطيدة بين التشاؤم والشرك والكثير من مظاهر الاعتلال النفسي وضعف الهمة، لأنه يجعل صاحبه ينتظر حدوث الأسوأ، ويتوقع الشر والفشل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره التشاؤم، ويحب الفأل الحسن. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة) رواه البخاري..

المقالات

