- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:القرآن الكريم
من النظائر القرآنية التي تستوقف قارئ القرآن الكريم الآيات الأربع الآتية:
الأولى: قوله سبحانه: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} (الأعراف:57).
الثانية: قوله: تعالى: {وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} (الفرقان:48).
الثالثة: قوله عز وجل: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} (الروم:48).
الرابعة: قوله عز من قائل: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها} (فاطر:9).
هذه الآيات الأربع قد جاء الفعل في آيتين منها بصيغة المضارع {يرسل}، وجاء في الآيتين الأخريين بصيغة الماضي {أرسل}، فهل ما جاء في كل منها ما اقتضى اللفظ الذي خصه، أم كل جائز لو جاء عليه؟
جاءت إجابات المفسرين على هذا السؤال على النحو الآتي:
أولا: قال الخطيب الإسكافي (ت420هـ) ما حاصله: إنه في كل موضع جاء اللفظ الذي يناسبه ماضيا ومستقبلا؛ وإن كان وصف الله عز وجل بأنه أرسل الرياح، فبسط بها السحاب، فساقه فأنزل منه الأمطار فأحيا بها البلاد، كوصفه بأنه يفعل ذلك في المستقبل؛ لأنه قادر كما كان، وقد عودنا سبحانه فعل ذلك، وأعلمنا ذلك مشاهدة. إلا أن آية الأعراف جاء فيها الفعل {يرسل} بلفظ المستقبل، لأن قبلها قوله سبحانه: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين} (الأعراف:55-56) فكان في ذلك بعث على الدعاء والتضرع، وتعليق الخوف والطمع بما يكون منه من الرحمة، وصنوف ما رزق الله الخلق من النعم، فكان لفظ المستقبل أشبه بموضع الخوف والطمع للداعين، وأدعى لهم إلى الدعاء والالتجاء إليه.
أما آية سورة الفرقان، فقد جاء الفعل فيها بلفظ الماضي؛ لأن قبلها قوله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا * وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا * وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} (الفرقان:45-48) فلما عدد أنواع ما أنعم به على عباده، وجاء ذلك كله بلفظ الماضي، وكان إرسال الرياح من جملة ما أنعم به عليهم، كان من المناسب أن يعطف فعل (إرسال) الرياح على ما تقدمه من أفعال، وما أخبر عنه مما فعله وأوجده.
وأما في سورة الروم؛ فإن قبل الآية قوله عز وجل: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (الروم:46)، فبنى فعل (الإرسال) في قوله سبحانه: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} (الروم:47) على وفق الذي جعل عليه ما هو من آياته، فحث على الاعتبار بما يعتاد من فعله تبارك سبحانه وتعالى.
وأما في سورة فاطر، فقد جاء الفعل فيها بصيغة الماضي؛ لأن أول السورة: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا} (فاطر:1) بمعنى (فطر) و(جعل)، وما تلا هذه الآية من آيات ختمها بقوله سبحانه: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها} (فاطر:9) فلما أخبر سبحانه بما هو من صنعه، وعظيم قدرته، أتبع ذلك ما كان من جنسه مما أخبر عنه من فعله سبحانه، فكان المناسب اختيار صيغة الماضي ها هنا.
ثانيا: وأجاب ابن الزبير الغرناطي (ت807هـ) على السؤال موضوع البحث بما حاصله، أنه سبحانه أخبر بما أنعم الله به على عباده بقوله: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} (الأعراف:54) وأتبع ما أخبر به سبحانه من نعم بالنهي عن الإفساد في الأرض والتضرع إليه، والالتجاء إلى كنفه، والأمر بدعائه والتمثل بحالتي الخوف والرجاء بقوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا} (الأعراف:55-56) ثم عاد الكلام إلى التذكير بجليل المتوالي من إنعامه وعظيم ألطافه، فقال: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} (الأعراف:57) فانتظم آخر الكلام بأوله، وارتبطت نهايته ببدايته، وتناسب أوضح تناسب بما يفهمه الفعل المضارع {يرسل} من التكرر من حيث لا يمنع ذلك، ولو ورد الفعل هنا بلفظ الماضي لما ناسب؛ لما يقتضيه الانقطاع بين بداية الكلام ونهايته.
ووفق ما تقدم جرت آية سورة الروم؛ فإنه ورد قبلها قوله تعالى: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (الروم:46) فذكر من آياته وإنعامه: إرسال الرياح، وإجراء الفلك ليبتغى فضله، ويطلب الرزق منه حال السفر والإقامة، ثم اعترض بقوله: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين} (الروم:47) تأنيسا لرسوله صلى الله عليه وسلم ووعدا بنصره، ثم عاد الكلام إلى إتمام ما تقدم مما يرسل سبحانه به ولأجله الرياح، فقال بكلام مستأنف لأجل آية الاعتراض: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء} (الروم:48) وأورد من النعم بها ما ذكر قبل، وجاء الفعل بصيغة الاستقبال؛ لأنه من تتميم ما تقدم وليناسبه، ولو جاء بلفظ الماضي لما انتظم آخر الكلام بأوله.
وأما آية الفرقان فقد تقدمها قوله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا * وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا} (الفرقان:47) فجاء قبل الآية موضوع البحث ذكر هذه الدلالات، وبيان هذه الشواهد، وقد تقيد زمان خلقها بالماضي خمس مرات، فأتبع سبحانه ذلك بما يوافقه ويناسبه، فقال: {وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} (الفرقان:48) ولم يكن ورود الفعل هنا بصيغة المستقبل مناسبا، فجاء على ما يجب نظم الكلام ويقتضيه.
وأما آية سورة فاطر، فمبنية على مطلعها، وذلك قوله تعالى: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا} (فاطر:1) فـ {فاطر} و{جاعل} هنا بمعنى الفعل الماضي، ولا يمكن فيهما غير ذلك، ولم يقع بعد هذا ذكر مقصود به الاعتبار من مخلوقاته سبحانه مما نصبه دالا عليه إلا قوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} (فاطر:9) فجاء ذلك مناسبا لقوله: {فاطر السماوات والأرض} ولقوله: {جاعل الملائكة رسلا} لموافقة الفعل الماضي اسم الفاعل معنى ومناسبته، ولا يناسبه فعل المستقبل، وأما ما وقع معترضا بين الآية وبين ما بنيت عليه مما تقدم، فليس من قبيل المذكور فيه ما نصبه سبحانه دليلا للاعتبار، كخلق السماوات والأرض، وإرسال الرياح، فهذه المذكورات الثلاث هي المقصودة هنا للاعتبار.
ثالثا: اكتفى ابن عاشور (ت1393هـ) بالحديث عن آية الروم {الله الذي يرسل الرياح} وآية فاطر {والله الذي أرسل الرياح} (فاطر:9)، فذكر أن وجه مجيء الاختلاف بين الفعلين في الآيتين، أنه في آية فاطر لم يؤت بفعل الإرسال بصيغة المضارع، بل أتى بصيغة الماضي، بخلاف قوله في آية الروم: {االله الذي يرسل الرياح} لأن القصد في آية فاطر استدلال بما هو واقع؛ إظهارا لإمكان نظيره، وأما آية الروم فالمقصود منها الاستدلال على تجديد صنع الله ونعمه على عباده.
واستنادا إلى ما ذكره المفسرون جوابا على سؤال المقال، يمكن القول: إن مجيء فعل (الإرسال) بصيغتي: الماضي والمستقبل مرجعه إلى السياق والمقام، فسياق الآيات قد يقتضي هذه الصيغة أو تلك. وغير بعيد أن يكون مرد الاختلاف في الفعلين ماضيا ومستقبلا من باب تنوع الأسلوب، وفنون البلاغة.
ويشار أخيرا إلى أن كثيرا من المفسرين، وخاصة الذين يعتمدون التفسير بالمأثور، كالطبري (ت310هـ) والبغوي (ت516هـ)، وابن كثير (ت774هـ)، وغيرهم، لا يقفون عند بيان الفروق بين النظائر القرآنية؛ لاعتمادهم على المأثور في التفسير، في حين أن مستند الذين يقفون عند بيان الفروق بين النظائر القرآنية النظر العقلي في النص القرآني، والله سبحانه أجل وأعلم.

المقالات

