انزعها فإنها لا تَزيدك إلا وَهْنًا

0 0

توحيد الله عز وجل أعظم المقامات، وشهادة التوحيد "لا إله إلا الله" إقرار لله سبحانه باستحقاق العبادة وحده لا شريك له، ونفي الشركاء معه، ومن عمل بما دلت عليه كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" كانت له السعادة في الدنيا والآخرة.. والشرك بالله أخطر الأمور، وهو الذنب الأكبر الذي لا يغفر، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}(النساء:48)، قال ابن كثير: "{لا يغفر أن يشرك به} أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، {ويغفر ما دون ذلك} أي: من الذنوب {لمن يشاء} أي: من عباده". وعن جابر رضي الله عنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار) رواه مسلم.
والشرك بالله عز وجل ينقسم إلى قسمين: الأول: الشرك الأكبر وهو على أنواع: شرك في الربوبية: وهو اعتقاد أن ثمة متصرف في الكون بالخلق والتدبير مع الله سبحانه. وشرك في الألوهية: وهو صرف العبادة أو نوع من أنواعها لغير الله عز وجل. وشرك في الأسماء والصفات: وهو اعتقاد أن ثمة مخلوق متصف بصفات الله عز وجل كاتصاف الله بها. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الأنواع في جملة واحدة من جوامع الكلم حين سئل عن الشرك بالله فقال: (أن تجعل لله ندا وهو خلقك) رواه البخاري. قال السعدي في كلامه عن الشرك الأكبر: "أن يجعل لله ندا يدعوه كما يدعوا الله، أو يخافه، أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له نوعا من أنواع العبادة".
والقسم الثاني من الشرك: الشرك الأصغر.. والشرك الأصغر وإن لم يكن مخرجا من الإسلام ولا يخلد صاحبه في النار، إلا أنه ينبغي عدم التهاون به، والحذر منه كل الحذر، والبعد عنه كل البعد، وإذا لقي العبد ربه به من غير توبة منه، كان تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة. والشرك الأصغر ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم سماه شركا..
والشرك الأصغر له صور وأنواع كثيرة، قال ابن القيم في "مدارج السالكين": "وأما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله تعالى، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا، وقد يكون شركا أكبر بحسب قائله ومقصده". وصور الشرك عديدة يصعب حصرها. قال ابن القيم: "والشرك أنواع كثيرة، لا يحصيها إلا الله، ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتسع الكلام أعظم اتساع".
ولما كان الشرك بالله بهذه الخطورة حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته منه، وسد ذرائعه، وأغلق أبوابه ـ صغيره وكبيره ـ، ونهى عن كل ما يؤدي إليه من قول أو فعل، حماية منه صلى الله عليه وسلم لمقام وجناب التوحيد، ونصحا للأمة، وشفقة عليها..
ومن صور الشرك الأصغر التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها وحذر منها: لبس الحلقة لرفع البلاء بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله..

لبس الحلقة ونحوها:
لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه من صور الشرك الأصغر، والحلقة قطعة مستديرة من حديد أو ذهب أو فضة أو نحاس أو نحو ذلك، والخيط من الصوف أو نحوه، وكانت العرب في الجاهلية تفعل ذلك لدفع الضر أو جلب النفع. قال ابن الأثير مبينا سبب كونه شركا: "كانوا يعتقدون أنها (لبس الحلقة والخيط) تمام الدواء والشفاء، وإنما جعلها شركا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه".
وقد ذكر عمران بن حصين رضي الله عنه موقفا من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في حمايته للتوحيد، والتحذير من الشرك، وفي هذا الموقف: أنه صلوات الله وسلامه عليه رأى رجلا لابسا حلقة مصنوعة من النحاس الأصفر، فسأله عن السبب الذي لأجله لبسها؟ فأجاب الرجل أنه لبسها لتحفظه وتشفيه من الألم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمسارعة إلى نزعها وطرحها، وأخبره أنها لا تنفعه، بل تضره، وأنها تزيد الداء الذي لبست من أجله..
عن عمران بن حصين رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة (الحلقة هي الشيء المستدير الذي يوضع على العضد أو على الذراع) من صفر (النحاس الأصفر)، فقال: ما هذا؟ قال من الواهنة (نوع من المرض يصيب اليد)، فقال: انزعها (النزع هو الجذب بقوة) فإنها لا تزيدك إلا وهنا (ضعفا)، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا) رواه أحمد والحاكم، والحديث صححه بعض العلماء وضعفه آخرون.. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من علق تميمة فقد أشرك) رواه أحمد. (تميمة): هي تعويذة تعلق على الآدمي من خرزات، أو قلادة من معدن أو خيط، أو حجارة، أو ورق مكتوب، أو غير ذلك، وهذا الفعل كان من عادات وأفعال الجاهلية يعتقدون فيها أنها تقيهم وتحميهم من السوء والآفات وترد القدر، فنبه النبي صلى الله عليه وسلم أن من فعل ذلك بهذا الاعتقاد (فقد أشرك) أي: فعل فعل أهل الشرك، وأشرك بالله شركا أصغر، إن اعتقد أنها سبب مؤثر في جلب الخير والقوة أو دفع الضر والضعف..  
وفي "شرح سنن ابن ماجه": "(رأى رجلا) من المسلمين (في يده حلقة) أي: خاتم أو سوار (من صفر) أي: من نحاس (فقال) له النبي صلى الله عليه وسلم (ما هذه الحلقة؟) أي: ما هذا الخاتم، لم اتخذتها ولبستها؟ فـ (قال) الرجل له صلى الله عليه وسلم: (هذه) الحلقة اتخذتها وقاية ورقية (من الواهنة) أي: من مرض الواهنة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (انزعها) أي: انزع هذه الحلقة واخلعها عنك (فإنها) أي: فإن هذه الحلقة (لا تزيدك) أي: أن لبسها لا يزيدك (إلا وهنا) أي: ضعفا في الإيمان حيث تركت التوكل على الله والاعتماد عليه في شفائك. قوله: (من الواهنة) قال في "النهاية": الواهنة: عرق في المنكب يأخذ وجعه الإنسان وفي اليد كلها.. وإنما نهاه عنها لأنه إنما اتخذها على أنه تعصمه من الألم، فكانت عنده في معنى التمائم المنهي عنها".
وفي كتاب "التمهيد لشرح كتاب التوحيد": "(ما هذه؟) فإن قيل: فما نوع الاستفهام في هذا الحديث؟ الجواب أن من أهل العلم من قال: إنه استفهام إنكار، ولكن المسؤول لم يفهم أنه إنكار، بل فهم أنه استفصال، فلذلك أجاب فقال: (من الواهنة). وقال آخرون من أهل العلم: إنه يحتمل أن يكون استفهام استفصال، أو استفهام إنكار، ولهذا أجاب المسؤول بقوله: (من الواهنة)، والأظهر: الأول، يعني: أنه يفيد الإنكار الشديد.. فعلى كلا القولين: يكون قد لبسها لأجل تعلقه بها، لرفع المرض، أو لدفعه. والواهنة: نوع مرض من الأمراض يهن الجسم، ويطرحه، ويضعف قواه.. قوله: (فإنها لا تزيدك إلا وهنا): يعني: أن ضررها أقرب من نفعها، وهذا شامل لجميع أنواع الشرك، فإن ما أشرك به ضرره أعظم من نفعه، لو فرض أن فيه نفعا، وقد قال العلماء في قوله هنا: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا) يعني: لو كان فيها أثر فإن أثرها الإضرار بدنيا، وروحيا، ونفسيا.. وهذا حال كل من أشرك فإن شركه يجره من ضرر إلى ضرر أكثر منه، وإن ظن أنه في انتفاع".
قوله: (فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا) أي: إن عملت هذا العمل بعد قيام الحجة عليك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أفلحت أبدا، فإن المشرك يعامل بنقيض قصده، لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه، فإذا كان هذا بحلقة صفر فما الظن بما هو أعظم من الأقوال والأفعال التي توقع في الشرك بالله عز وجل؟!..
ومن فوائد الحديث: أن لبس الحلقة وغيرها لرفع البلاء والمرض بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله من الشرك بالله. ومنها: إنكار المنكر وتعليم الجاهل، وأنه ينبغي لمن أراد إنكار المنكر أن يسأل أولا عن الحال.. ومنها كذلك: ضرر الشرك في الدنيا والآخرة.

الإسلام دين التوحيد، والنبي صلى الله عليه وسلم حماية للتوحيد حذر أصحابه وأمته من بعدهم من الشرك ـ الأصغر والأكبر ـ تحذيرا شديدا، ونهاهم عن كل ما يوصل إليه، ويؤدي للوقوع فيه، من وسائل وأسباب قولية أو فعلية، ولم يترك بابا من الأبواب التي توصل إليه إلا أغلقه.. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا) أن من تمسك بشيء من هذه الأشياء ـ التي تلبس في اليد، أو تعلق في الرقبة ـ واعتقد أن فيها المداواة، أو أنها تحميه من الشر والمرض وتدفع عنه البلاء والضعف، فقد فعل ما هو شرك بالله عز وجل، يستوي في ذلك الرجال والنساء..

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة