- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أعظم مخلوق خلقه الله تعالى، وأفضل نبي وطئ الثرى بقدميه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم، قال الله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}(الأحزاب:40)، وقال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات}(البقرة:253). قال السعدي: "يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على سائرهم درجات كنبينا صلى الله عليه وسلم الذي اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب ما فاق به الأولين والآخرين"..
وأفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق عامة والأنبياء خاصة، هي أفضلية قطعية وليست ظنية، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "ما خلق الله عز وجل ولا ذرأ من نفس أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم". وقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: "إن أكرم خليقة على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فقيل له: رحمك الله فأين الملائكة؟ فقال للسائل: يا ابن أخي وهل تدري ما الملائكة؟ إنما الملائكة خلق كخلق الأرض، وخلق السماء، وخلق السحاب، وخلق الجبال، وخلق الرياح، وسائر الخلائق، وإن أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم صلى الله عليه وسلم". وذكر ابن تيمية أثر عبد الله بن سلام رضي الله عنه ثم قال: "وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، وهذا هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم"، وقال: "وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاها عند الله، لا جاه لمخلوق أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته". وقال القاضي عياض: "تقرر من دليل القرآن وصحيح الأثر وإجماع الأمة كونه صلى الله عليه وسلم أكرم البشر وأفضل الأنبياء". وقال ابن كثير: "فهو صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، قطعا جزما لا يحتمل النقيض"..
وقد خص الله عز وجل وفضل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق والأنبياء والرسل بخصائص وفضائل كثيرة، ومن جملة خصائصه ما ذكره صلوات الله وسلامه عليه في حديث واحد أنه: سيد ولد آدم، وبيده لواء الحمد يوم القيامة، وكل الأنبياء يوم القيامة تحت لوائه، وأول من تنشق عنه الأرض..
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) رواه الترمذي.
1 ـ قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر):
قال الكرماني: "(أنا سيد ولد آدم) لم يقل ذلك مفتخرا ولا متطاولا به على الخلق، وإنما قال ذكرا لنعمته، ومعترفا بالمنة، وأراد بالسيادة ما يكرم به يوم القيامة". وقال القاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم": "(أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) قيل: السيد الذي يفوق قومه.. قال الهروي: السيد: الذي يفوق قومه في الخير.. وقال غيره: قالها عليه الصلاة والسلام هنا لأن السيد هو الذي ينزع إليه القوم في النوائب والشدائد، فيقوم بأمورهم، ويتحمل عنهم مكارههم، ولدفعها عنهم".. وقال العز بن عبد السلام في " منية السول في تفضيل الرسول": "السيد من اتصف بالصفات العلية والأخلاق السنية، وهذا مشعر بأنه أفضل منهم في الدارين. أما في الدنيا فلما اتصف به من الأخلاق المذكورة، وأما في الآخرة فلأن جزاء الآخرة مرتب على الأوصاف والأخلاق، فإذا فضلهم في الدنيا في المناقب والصفات، فضلهم في الآخرة في المراتب والدرجات، وإنما قال صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، ليعرف أمته منزلته من ربه عز وجل. ولما كان من ذكر مناقب نفسه إنما يذكرها افتخارا في الغالب، أراد صلى الله عليه وسلم أن يقطع وهم من يتوهم من الجهلة أنه ذكر ذلك افتخارا، فقال: (ولا فخر).. وهذه الخصائص تدل على علو مرتبته على آدم وغيره، إذ لا معنى للتفضيل إلا التخصيص بالمناقب والمراتب"..
2 ـ (وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي):
مما اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم أن بيده لواء الحمد، وأن الأنبياء جميعا عليهم الصلاة والسلام تحت لوائه يوم القيامة.. وهذا اللواء للعلماء فيه قولان: منهم من قال: إنه لواء معنوي، ومنهم من قال: إنه لواء حقيقي، والصواب أنه لواء حقيقي، لأن الأصل فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقة لا المجاز، فأمر الآخرة ليس مما تدرك العقول حقائقه وتتبين كيفياته، بل نؤمن به على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أن نلج في كيفية ذلك، فإن النصوص قد أخبرت بألوية تكون يوم القيامة، ففي الصحيحين البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينصب لكل غادر يوم القيامة لواء، يقال: هذه غدرة فلان). قال النووي: "(لكل غادر لواء) أي: علامة يشتهر بها في الناس، لأن موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له". وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي": "قلت: حمل لواء الحمد على معناه الحقيقي هو الظاهر، بل هو المتعين، لأنه لا يصار إلى المجاز مع إمكان الحقيقة". وفي "شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية": "ولما كان صلى الله عليه وسلم أعظم الخلائق أعطي أعظم الألوية، لواء الحمد ليأوي إليه الأولون والآخرون، فهو حقيقي ولا وجه لحمله على لواء المال والكمال".
وقال البيضاوي في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة": "في العرصات (مواقف الحساب في يوم القيامة) مقامات لأهل الخير والشر، يرفع في كل مقام لمن كان أسوة لأهله لواء يعرف به، وأعلى تلك المقامات مقام الحمد، وهو مقام نبينا عليه الصلاة والسلام، وإليه أشار بقوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}(الإسراء:79). وإنما سمي ذلك لأن صاحبه كان أحمد الخلائق، أو كان يحمد ربه في السراء والضراء، فاستحق بهذه هذا المقام، أو لأنه يكون محمود العاقبة، أو تفتح له في ذلك المقام محامد لم تفتح مثلها على أحد من العالمين، أو يعطى ما يرضى به ويحمده، قال تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}(الضحى:5). (ولا فخر) أي: لا أقول ذلك افتخارا به ومباهاة، وإنما أذكره محدثا بنعمة الله تعالى وإظهار لفضله". وقال الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن": "قوله: (ولا فخر) حال مؤكدة، أي: أقول هذا ولا فخر.. فيه وجهان: أحدهما: قاله امتثالا لأمر الله تعالى {وأما بنعمة ربك فحدث}(الضحى:11) وثانيهما: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه في توقيره صلى الله عليه وسلم كما أمرهم الله تعالى به".
وقال الكرماني في "شرح مصابيح السنة": "(ولا فخر) أي: لا أقوله مفاخرة، بل إظهارا لنعمة الله تعالى علي، وقيل: أي: لا أفتخر بذلك، بل فخري بربي الذي أعطاني هذه المرتبة. (وبيدي لواء الحمد): أي: رايته، يريد به: انفراده بالحمد وشهرته على رؤوس الخلائق، والعرب تضع اللواء موضع الشهرة، ولا مقام أعلى وأرفع من مقام الحمد، ودونه تنتهي سائر مقامات العباد، ولما كان نبينا عليه الصلاة والسلام أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة أعطي لواء الحمد، ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، ويفتح عليه في ذلك اليوم من المحامد ما لم يفتح على أحد"..
وفي "الميسر في شرح مصابيح السنة": "ينصب يوم القيامة لكل متبوع لواء يعرف به، قدوة حق كان، أو أسوة في باطل، ولا مقام من مقامات عباد الله الصالحين أرفع وأعلى من مقام الحمد، ودونه تنتهي سائر المقامات، ولما كان نبينا سيد المرسلين صلوات الله عليه أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة؛ أعطي لواء الحمد، ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: (آدم ومن دونه تحت لوائي)، ولهذا المعنى استفتح كتابه (القرآن) بالحمد، وشق اسمه من الحمد، فقيل محمد وأحمد، وأقيم يوم القيامة المقام المحمود، ويفتح عليه في ذلك اليوم وفي ذلك المقام من المحامد ما لم يفتح على أحد قبله، ولا يفتح على أحد بعده"..
وقال المظهري في "المفاتيح في شرح المصابيح": "سمي لواء الحمد لأنه صلى الله عليه وسلم يحمد الله تعالى في الحالة التي معه اللواء يوم القيامة، حمدا يليق بذاته سبحانه، على أن قربه إليه، وفضله على جميع عباده الأنبياء والمرسلين وغيرهم، من أهل المحشر، وحوجهم إلى أن يحضروا تحت لوائه جذلين (فرحين)، وإلى شفاعته راغبين، بل مضطرين ملجئين، وتواضع صلى الله عليه وسلم مع هذا الفضل والكمال وقال: (ولا فخر) يعني ما لي مفاخرة بذلك، يعني: لا أذكره مفاخرة ـ طبعا كما هي عادة العرب ـ، بل أذكره لتعدد النعم، لأنه محض فضله وإنعامه علي..(ما من نبي) يعني: لا نبي يوم القيامة - يعني: آدم وغيره من الأنبياء والمرسلين - إلا أن يحضروا تحت لوائي، وأنا أحشر قبل الخلائق كلهم، ولا فخر، بل لطف من الله وفضله".
وقال الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير": "(إلا تحت لوائي) أي الجميع أتباع له صلى الله عليه وسلم وكائنون تحت لوائه"..
فالأنبياء جميعا ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لو قدر لهم أن يجتمعوا في عصر واحد ما وسعهم إلا أن يتبعوا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) رواه أحمد والبيهقي.
قال السعدي: "فكل الأنبياء لو أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم"..
3 ـ (وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر):
الناس جميعهم قبل البعث في قبورهم في باطن الأرض، ومنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبرنا صلوات الله وسلامه عليه أنه أول من ينشق عنه القبر، فيكون أول من يبعث من قبره ويحضر في المحشر. قال المناوي في "فيض القدير شرح الجامع الصغير": "(وأنا أول من تنشق عنه الأرض) أي: أول من يعجل الله إحياءه مبالغة في الإكرام وتعجيلا لجزيل الإنعام.. فلا يتقدم أحد عليه بعثا فهو من خصائصه"..
الخصوصيات التي خص الله عز وجل بها نبينا صلى الله عليه وسلم تشريفا وتكريما له دون غيره ـ من البشر عامة والأنبياء والرسل خاصة ـ في الدنيا والآخرة لا تحد ولا تعد.. ومن خصائصه وفضائله يوم القيامة: أنه سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، وبيده لواء الحمد ـ وهو لواء حقيقي يختص بحمله يوم القيامة ـ، والأنبياء جميعا عليهم الصلاة والسلام تحت لوائه، وأنه أول من يعبر الصراط من الرسل بأمته، وأول من تفتح له أبواب الجنة فلا تفتح لأحد قبله، وأنه صاحب الوسيلة والفضيلة وهي أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا عبد واحد من عباد الله، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. قال القرطبي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ": "وهذه الخصائص والفضائل التي حدث بها النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه، إنما كان ذلك منه لأنها من جملة ما أمر بتبليغه، لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه، وليرغب في الدخول في دينه، وليتمسك به من دخل فيه، وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن جعله من أمة من هذا حاله، ولتعظم محبته في قلوب متبعيه، فتكثر أعمالهم، وتطيب أحوالهم، فيحشرون في زمرته، وينالون الحظ الأكبر من كرامته. وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا، وشرف الآخرة، لأن شرف المتبوع متعد لشرف التابع على كل حال"..
ومن الفوائد الهامة لدراسة السيرة النبوية معرفة خصائص وفضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي خصه الله تعالى وفضله بها على غيره من الأنبياء والرسل في الدنيا والآخرة، والتي تدل على فضله وعلو قدره ومنزلته عند ربه عز وجل.. قال محمد بن الحسين: "قبيح بالمسلمين أن يجهلوا معرفة فضائل نبيهم صلى الله عليه وسلم، وما خصه الله عز وجل به من الكرامات والشرف في الدنيا والآخرة"..

المقالات

