التحذير مِن الإلْحاد في أسماء الله الحُسْنى

0 0

العلم بأسماء الله الحسنى له فوائد وفضائل كثيرة وعظيمة، منها: معرفة الله عز وجل، وسؤاله ودعاؤه بها، وتعميق حبه سبحانه في القلوب، والأدب معه، ودخول الجنة. قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}(الأعراف:180). قال الشوكاني في "فتح القدير": "هذه الآية مشتملة على الإخبار من الله سبحانه بما له من الأسماء على الجملة دون التفصيل، والحسنى تأنيث الأحسن أي التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول، ثم أمرهم بأن يدعوه بها عند الحاجة فإنه إذا دعي بأحسن أسمائه كان ذلك من أسباب الإجابة"..
ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن شرف العلم بشرف المعلوم، قال ابن العربي في "أحكام القرآن في فضل العلم بأسماء الله": "شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم". وقال ابن القيم في "عدة الصابرين": "من تعلق بصفة من صفاته أخذته بيده حتى تدخله عليه، ومن سار إليه بأسمائه الحسنى وصل إليه، ومن أحبه أحب أسماءه وصفاته، وكانت آثر شيء لديه"..
وأسماء الله تعالى وصفاته توقيفية مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية، لا مجال للعقل والاجتهاد فيها، يجب الوقوف فيها على ما جاء به القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة. وأهل السنة يثبتون ما أثبته الله عز وجل لنفسه ـ من أسماء وصفات ـ في كتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما ينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الله عز وجل أعلم بنفسه من غيره، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه. قال أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني: "ويعتقدون ـ يعني: أهل السنة والجماعة ـ أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم". وقال الشيخ ابن عثيمين: "أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها، وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص.. ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه، جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص"..
والله عز وجل ليس كمثله شيء، فإنه سبحانه الكامل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، الذي دلت النصوص والعقول على أنه لا نظير له سبحانه وتعالى، فلا مثيل له في ربوبيته، ولا مثيل له في إلهيته، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(الشورى:11). قال السعدي: "{ليس كمثله شيء} أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفات كمال وعظمة".

الإلحاد في أسماء الله الحسنى:
"الإلحاد في اللغة: الميل، ومنه: اللحد في القبر، فإنه سمي لحدا لميله إلى جانب منه، وأما الإلحاد في أسماء الله الحسنى فهو الميل بها عما يجب فيها، أو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها. والإلحاد هنا ليس المقصود به الإلحاد المطلق بإنكار وجود الله عز وجل، وإنكار بعثة الرسل ويوم القيامة، والجنة والنار.. وإنما المقصود به الميل بها عن الحق الثابت فيها في الكتاب والسنة الصحيحة، وما كان عليه منهاج النبوة في إثبات اللائق بالله سبحانه، ونفي ما لا يليق به.. قال ابن القيم في "بدائع الفوائد": "والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، مأخوذ من الميل، كما يدل عليه مادة (ل ح د)، فمنه اللحد، وهو الشق في جانب القبر، الذي قد مال عن الوسط، ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق، المدخل فيه ما ليس منه". وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "فإن لفظ "الإلحاد" يقتضي ميلا عن شيء إلى شيء بباطل". وقال البغوي: "ومعنى الإلحاد هو الميل عن القصد.. قال يعقوب بن السكيت: الإلحاد هو العدول عن الحق.. وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يتسم به ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملته أن أسماء الله تعالى على التوقيف فإنه يسمى جوادا ولا يسمى سخيا، وإن كان في معنى الجواد"..
وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم أن ندعوه بأسمائه الحسنى، وحذر وتوعد من الإلحاد فيها، فقال سبحانه: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون}(الأعراف:180). قال ابن كثير: "عن مجاهد: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} قال: اشتقوا "اللات" من الله، واشتقوا "العزى" من العزيز. وقال قتادة: {يلحدون} يشركون. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب. وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدل عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر". وقال القرطبي: "قوله: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} فإنه يعني به المشركين. وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها "اللات" اشتقاقا منهم لها من اسم الله الذي هو "الله"، وسموا بعضها "العزى" اشتقاقا لها من اسم الله الذي هو "العزيز. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل".
وقال السعدي: "{وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه، وحقيقة الإلحاد الميل بها عما جعلت له، إما بأن يسمى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله، وإما أن يشبه بها غيرها، فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها، ويحذر الملحدون فيها".
وقال أبو السعود في تفسير قوله تعالى: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه}(الأعراف:180) "أي: يميلون في شأنها عن الحق إلى الباطل، إما بأن يسموه تعالى بما لا توقيف فيه، أو بما يوهم معنى فاسدا... وإما بأن يعدلوا عن تسميته تعالى ببعض أسمائه الكريمة، كما قالوا: وما الرحمن؟ ما نعرف سوى رحمان اليمامة.. وإما بأن يطلقوها على غيره تعالى كما سموا أصنامهم آلهة، وإما بأن يشتقوا من بعضها أسماء أصنامهم، كما اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز"..
وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات، من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون}(الأعراف:180)، وقال تعالى: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم}(فصلت:40)، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(الشورى:11) ففي قوله: {ليس كمثله شيء} رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: {وهو السميع البصير} رد للإلحاد والتعطيل".
وقال الشيخ ابن عثيمين: "لا يعرف الإلحاد إلا بمعرفة الاستقامة، لأنه كما قيل: بضدها تتبين الأشياء، فالاستقامة في باب أسماء الله وصفاته أن نجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله عز وجل من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، على القاعدة التي يمشي عليها أهل السنة والجماعة في هذا الباب. فإذا عرفنا الاستقامة في هذا الباب فإن خلاف الاستقامة هو الإلحاد"..

أنواع الإلحاد في أسماء الله الحسنى:
ذكر العلماء أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى، فذكر بعضهم نوعين، مثل القاضي أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن"، وذكر بعضهم ثلاثة كالقرطبي في تفسيره، وبعضهم ذكر خمسة أنواع مثل ابن القيم في "بدائع الفوائد" وفي "مدارج السالكين"، وذكر الشيخ ابن عثيمين أربعة أنواع، فبعض العلماء يفصلها وبعضهم يجملها، ومن هنا اختلف عدد أنواع الإلحاد في باب أسماء الله الحسنى عند العلماء.
1 ـ قال ابن العربي في "أحكام القرآن": "والإلحاد يكون بوجهين: بالزيادة فيها، والنقصان منها، كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله، إلى غير ذلك مما لا يليق به".
2 ـ قال القرطبي في تفسيره: "والإلحاد يكون بثلاثة أوجه: أحدها: بالتغيير فيها كما فعله المشركون، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم، فاشتقوا اللات من الله، والعزى من "العزيز"، ومناة من "المنان" قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: بالزيادة فيها. الثالث: بالنقصان منها، كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه، ويذكرون بغير ما يذكر من أفعاله، إلى غير ذلك مما لا يليق به".
3 ـ قال ابن القيم في "مدارج السالكين": "نفي معاني أسمائه من أعظم الإلحاد فيها، والإلحاد فيها أنواع هذا أحدها. الثاني: تسمية الأوثان بها، كما يسمونها آلهة، وقال ابن عباس ومجاهد: عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم، فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من "الله"، والعزى من "العزيز"، ومناة من "المنان"، وروي عن ابن عباس: {يلحدون في أسمائه}(الأعراف:180) يكذبون عليه، وهذا تفسير بالمعنى. وحقيقة الإلحاد فيها العدول بها عن الصواب فيها، وإدخال ما ليس من معانيها فيها، وإخراج حقائق معانيها عنها، هذا حقيقة الإلحاد، ومن فعل ذلك فقد كذب على الله، ففسر ابن عباس الإلحاد بالكذب، أو هو غاية الملحد في أسمائه تعالى، فإنه إذا أدخل في معانيها ما ليس منها، وخرج بها عن حقائقها، أو بعضها، فقد عدل بها عن الصواب والحق، وهو حقيقة الإلحاد. فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها، وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب، وإخراجها عن الحق بالتأويلات الباطلة، وإما بجعلها أسماء لهذه المخلوقات المصنوعات".
4 ـ قال الشيخ ابن عثيمين في "مجموع رسائله" وفي "شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه": "ذكر أهل العلم للإلحاد في أسماء الله تعالى أنواعا يجمعها أن نقول هو: "الميل بها عما يجب اعتقاده فيها"، وهو (الإلحاد في أسماء الله) على أنواع: النوع الأول: إنكار شيء من الأسماء، أو ما دلت عليه من الصفات، ومثاله: من ينكر أن اسم "الرحمن" من أسماء الله تعالى كما فعل أهل الجاهلية، أو يثبت الأسماء، ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات كما يقول: بعض المبتدعة: أن الله تعالى رحيم بلا رحمة، وسميع بلا سمع. النوع الثاني: أن يسمي الله سبحانه وتعالى بما لم يسم به نفسه، ووجه كونه إلحادا أن أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية، فلا يحل لأحد أن يسمي الله تعالى باسم لم يسم به نفسه، لأن هذا من القول على الله بلا علم ومن العدوان في حق الله عز وجل وذلك كما صنع الفلاسفة فسموا الإله بالعلة الفاعلة، وكما صنع النصارى فسموا الله تعالى باسم الأب ونحو ذلك. النوع الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف المخلوقين، فيجعلها دالة على التمثيل، ووجه كونه إلحادا: أن من اعتقد أن أسماء الله سبحانه وتعالى دالة على تمثيل الله بخلقه فقد أخرجها عن مدلولها ومال بها عن الاستقامة، وجعل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم دالا على الكفر، لأن تمثيل الله بخلقه كفر لكونه تكذيبا لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}(الشورى:11)، ولقوله: {هل تعلم له سميا}(مريم:65). قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري رحمهما الله: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه". النوع الرابع: أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماء للأصنام، كاشتقاق اللات من "الله"، والعزى من "العزيز"، ومناة من "المنان"، ووجه كونه إلحادا: أن أسماء الله تعالى خاصة به، فلا يجوز أن تنقل المعاني الدالة عليها هذه الأسماء إلى أحد من المخلوقين ليعطى من العبادة مالا يستحقه إلا الله عز وجل، هذه أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى"..

أهل السنة يثبتون من الأسماء الحسنى ما أثبته الله عز وجل لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، لا يلحدون فيها، ولا يتجاوزون فيها التوقيف، فلا مجال للعقل فيها، لأنها من الأمور الغيبية، والأمور الغيبية لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة الصحيحة. قال الإمام الخطابي: "ومن علم هذا الباب أعني الأسماء والصفات ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط: أنه لا يتجاوز فيها التوقيف". وقال الإمام ابن قدامة المقدسي: "ومذهب السلف رحمة الله عليهم الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، وعلى لسان رسوله، من غير زيادة عليها، ولا نقص منها". وقال السفاريني: "أسماؤه ثابتة عظيمة، لكنها في الحق توقيفية، لنا بذا أدلة وفية". وقال ابن القيم: "حقيقة الإلحاد في أسماء الله، العدول بها عن الصواب فيها، وإدخال ما ليس من معانيها فيها، وإخراج حقائق معانيها عنها".. 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة