الأنبياءُ والرُسُل في القرآن والسُنَّة

0 0

الأنبياء والرسل أطهر البشر قلوبا، وأقواهم إيمانا، وأفضلهم عبادة، وجميعهم أمناء صادقون، هداة مهتدون، ولا يبلغ منزلتهم أحد من الخلق مهما بلغ من الصلاح والتقوى، إذ النبوة اصطفاء من الله يختص بها من يشاء من خلقه، ولا تنال بالعمل والاجتهاد، قال الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير}(الحج:75). قال السعدي: "أي: يختار ويجتبي من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واصطفاهم ليس جاهلا بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئا دون شيء، وإنما المصطفي لهم، السميع البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء، فاختياره إياهم عن علم منه، أنهم أهل لذلك، وأن الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}(الأنعام:124)". وقال ابن تيمية: "الأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين، وبعدهم الصديقون، والشهداء، والصالحون". وأفضل الأنبياء والرسل جميعا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم}(البقرة: 253). قال الطبري: "يقول تعالى: هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض". وقال السعدي: "يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على سائرهم درجات كنبينا صلى الله عليه وسلم الذي اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره"..

وقد أرسل الله تعالى في كل أمة نذيرا منهم، وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم للناس كافة بشيرا ونذيرا، ‏قال الله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}(النحل:36)، وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون}(سبأ:28). وقد اختلف العلماء في عدد الأنبياء والرسل، وذلك بحسب ما ثبت عندهم من الأحاديث الوارد فيها ذكر عددهم، فمن حسن هذه الأحاديث أو صححها فقد قال بمقتضاها، ومن ضعفها قال بأن العدد لا يعرف إلا بالوحي فيتوقف في إثبات العدد..
وأشهر الأحاديث في ذكر عدد الأنبياء والرسل حديث أبي ذر رضي الله عنه ـ الذي ضعفه الكثير من العلماء ـ. قال الشيخ ابن باز: "وجاء في حديث أبي ذر عند ابن حبان وغيره أنه سأل النبي عن الرسل وعن الأنبياء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر)، وفي رواية أبي أمامة: (ثلاثمائة وخمسة عشر)، ولكنهما حديثان ضعيفان عند أهل العلم، ولهما شواهد ولكنها ضعيفة أيضا.. وجميع الأحاديث في هذا الباب ضعيفة، بل عد ابن الجوزي حديث أبي ذر من الموضوعات.. والمقصود أنه ليس في عدد الأنبياء والرسل خبر يعتمد عليه، فلا يعلم عددهم إلا الله سبحانه وتعالى، لكنهم جم غفير (عدد كبير)، قص الله علينا أخبار بعضهم ولم يقص علينا أخبار البعض الآخر، لحكمته البالغة جل وعلا".. ومن الأنبياء والرسل من ذكر باسمه في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومنهم من لم يذكر فيهما..

الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن الكريم:
جمع الحافظ ابن كثير أسماء من نص القرآن الكريم على أسمائهم من الأنبياء والرسل فبلغت خمسة وعشرين اسما، فقال في تفسيره لقول الله تعالى: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك}(النساء:164): "أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها. وهذه تسمية الأنبياء الذين نص على أسمائهم في القرآن وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ورسلا لم نقصصهم عليك} أي: خلقا آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل.. عن أبي ذر قال: (قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير)".
وذكر القرآن الكريم ثمانية عشر نبيا ورسولا من هؤلاء الأنبياء والرسل في موضع واحد في سورة الأنعام، قال الله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين}(الأنعام:86:83). وفي مواضع متفرقة ذكر القرآن الكريم: آدم، وهودا، وصالحا، وشعيبا، وإسماعيل، وإدريس، وذا الكفل، ومحمدا عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى: {إن الله اصطفى آدم}(آل عمران:33)، وقال: {وإلى عاد أخاهم هودا}(هود:50)،{وإلى ثمود أخاهم صالحا}(هود:61)، {وإلى مدين أخاهم شعيبا}(هود:84)، {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين}(الأنبياء:85)، {محمد رسول الله}(الفتح:29)..

الأنبياء المذكورون في السنة النبوية:
1 - شيث بن آدم عليه السلام:
يذكر أهل العلم أنه بعد آدم عليه السلام، كان شيث نبيا. قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "ومعنى شيث: هبة الله، وسمياه (آدم وحواء) بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قتل هابيل. قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أنزل مئة صحيفة وأربع صحف، على شيث خمسين صحيفة). قال محمد بن إسحاق: ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث، وعلمه ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادات تلك الساعات". عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده.. قلت: يا رسول الله! كم كتابا أنزله الله؟ قال: مائة كتاب، وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسون صحيفة) رواه ابن حبان في صحيحه وضعفه الكثير من العلماء. قال ابن رجب عن حديث أبي ذر رضي الله عنه في "فتح الباري شرح صحيح البخاري": "وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى بن الغساني، تكلم فيه أبو زرعة وغيره. وقد روي من وجوه متعددة عن أبي ذر، وكلها لا تخلو من مقال".
وقال الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن": "قلت: قيل المنزلة مئة وأربعة كتب: على آدم عشر صحائف، وعلى شيث عليه السلام خمسون صحيفة". وقال العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري": "آدم عليه السلام فإنه أول نبي أرسل إلى بنيه وشرع لهم الشرائع، ثم بعده قام بأعباء الأمر شيث عليه السلام، وكان نبيا مرسلا". وقال القاضي عياض: "فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا، بل أمر بتعليمهم الإيمان والتوحيد وطاعة الله، وكذلك خلفه شيث بعده فيهم".
آدم وشيث عليهما السلام كانا نبيين قبل نوح عليه السلام، إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارا، بل أمرهم بالإيمان وطاعة الله، وأما شيث فكان خلفا لأبيه فيهم، بخلاف نوح فإنه أرسل إلى كفار أهل الأرض. قال الشيخ بكر أبو زيد: "ثبت في السنة تسمية نبيين هما: شيث بن آدم، ويوشع بن نون"..

2 ـ يوشع بن نون عليه السلام:
قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "هو يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، وأهل الكتاب يقولون: يوشع ابن عم هود. وقد ذكره الله تعالى في القرآن الكريم غير مصرح باسمه في قصة الخضر مع موسى عليه السلام، كما تقدم في قوله: {وإذ قال موسى لفتاه}(الكهف:60).. وقدمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يوشع بن نون، وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب". وقال ـ ابن كثير ـ في تفسيره: "قول موسى عليه السلام لفتاه ـ وهو يوشع بن نون ـ".
وقد جاء في السنة النبوية أن يوشع بن نون هو فتى موسى عليه السلام في قصة موسى مع الخضر.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: حدثنا أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قام موسى النبي خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك. قال: يا رب، وكيف به؟ فقيل له: احمل حوتا في مكتل، فإذا فقدته فهو ثم، فانطلق وانطلق بفتاه يوشع بن نون) رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غزا نبي من الأنبياء.. فأدنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه) رواه البخاري. والدليل على أن هذا النبي هو يوشع قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس لم تحبس إلا ليوشع) رواه أحمد. قال المناوي: "فالمعتمد أنها (الشمس) لم تحبس إلا ليوشع"..

الأنبياء والرسل الذين أخبرنا الله عز وجل بأسمائهم في كتابه، أو أخبرنا بهم رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة، يجب أن نؤمن بهم ونحبهم، ونوقرهم ونجلهم جميعا، ولا نفرق بين الإيمان بهم، ونؤمن كذلك إجمالا بأن لله رسلا وأنبياء لا نعلمهم، قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك}(غافر:78). قال ابن كثير: "{ومنهم من لم نقصص عليك} وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف". وقال الله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله}(البقرة:285)، قال الطبري: "والمؤمنون كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرق الكل منهم بين أحد من رسله، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، ولكنهم يصدقون بجميعهم.. ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقروا بموسى وكذبوا عيسى، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحدوا نبوته، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعض رسل الله، وأقروا ببعضه". وقال ابن تيمية: "والمسلمون آمنوا بالأنبياء كلهم، ولم يفرقوا بين أحد منهم، فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم".. 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة