علامات الساعة الكُبْرَى

0 0

 الساعة كما قال ابن الأثير: "الوقت الذي تقوم فيه القيامة". وقال الزجاج: "معنى الساعة في كل القرآن الوقت الذي تقوم فيه القيامة". وقال السعدي في تفسيره لقول الله تعالى: {اقتربت الساعة}(القمر:1): "يخبر تعالى أن الساعة وهي القيامة اقتربت وآن أوانها، وحان وقت مجيئها".. وموعد قيام الساعة من الغيب الذي استأثر الله عز وجل بعلمه، قال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة}(لقمان:34)، قال الطبري: "التي تقوم فيها القيامة، لا يعلم ذلك أحد غيره". وإذا كان الله عز وجل أخفى الساعة عن الخلق، فقد جعل لها علامات وأمارات تدل على قرب وقوعها، أخبر عنها في كتابه وأخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه. قال الله تعالى: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها}(محمد:18)، قال ابن كثير: "{فقد جاء أشراطها} أي: أمارات اقترابها.. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله". وقال الشيخ ابن عثيمين: "الساعة هي القيامة.. أشراط الساعة، يعني علاماتها"..
وقد اصطلح العلماء على تقسيم أشراط وعلامات الساعة إلى قسمين: الأول: أشراط أو علامات الساعة الصغرى، وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متفاوتة، ووقع كثير منها، وقد يظهر بعضها مصاحبا للأشراط الكبرى، وعلامات الساعة الصغرى كثيرة، منها: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وختم النبوة والرسالة به، وموته صلى الله عليه وسلم، وفتح بيت المقدس، وظهور الفتن، وكثرة القتل، وتمني الموت من شدة البلاء، وكثرة موت الفجأة، والموت في الزلازل والأمراض، وتضييع الأمانة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، واستفاضة المال، وخروج الدجالين الكذابين أدعياء النبوة.. والثاني: أشراط أو علامات الساعة الكبرى: وهي الأمور العظام التي تظهر قرب قيام الساعة، ولم يقع شيء منها حتى الآن..

والأحاديث النبوية الصحيحة في ذكر علامات الساعة الكبرى كثيرة، ومن ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن أسفل منه، فاطلع (نظر) إلينا فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة (يوم القيامة)، قال: إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس. قال شعبة: وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك، لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أحدهما في العاشرة: نزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: وريح تلقي الناس في البحر). وفي رواية أبى داود: (لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، وعيسى ابن مريم، والدخان، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك تخرج نار من اليمن، من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر).
هذا الحديث برواياته الصحيحة المتعددة إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم أن الساعة لا تقوم حتى يسبقها وقوع عشر آيات، أي: علامات، وهذه العلامات:

الأولى والثانية والثالثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب:
الخسف يعني ابتلاع الأرض لكل ما عليها. قال الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير": "ولعل هذه الخسوف الثلاثة لم تقع إلى الآن". وقال الشيخ صالح آل الشيخ في "شرح الطحاوية": "هذه الخسوف الثلاثة خسوف عظيمة لم يسبق أن حدث مثلها.. خسوف عظيمة كبيرة تكون في الشرق وفي الغرب وفي جزيرة العرب، والخسف معروف أنه ذهاب الأرض إلى أسفلها".
الرابعة: الدخان:
وهو الذي ذكر في قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين}(الدخان:10). قال الشيخ ابن عثيمين في "شرح العقيدة السفارينية": "أما آية الدخان فقد اختلف العلماء فيها: هل هي آية مضت أو هي آية مقبلة؟ فمنهم من قال: إنها آية مضت، وهي المشار إليها في قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين}(الدخان:10)، وأن المراد بذلك ما أصاب قريشا من الجدب والقحط حتى أصيبوا بالجهد العظيم.. ومنهم من قال: بل هو أمر مستقبل، وهو أن الله سبحانه وتعالى يبعث عند قيام الساعة دخانا عظيما يملأ الأجواء ويغشى الناس كلهم. والأقرب للصواب أنه دخان يرسله الله عز وجل عند قيام الساعة، فيغشى الناس كلهم، والله أعلم بكيفية هذا الدخان، فنحن إنما نعرف أنه دخان، لكن لا نعرف كيف يأتي الناس، ولا من أين يأتي، فهذا أمره إلى الله عز وجل"..
الخامسة: الدجال:
وهو شخص من بني آدم، أقدره الله على أشياء من مقدوراته سبحانه: من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ابتلاء واختبارا للناس.. قال الكرماني: "وصف بالدجال ليمتاز عن المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام، وسمي دجالا لكثرة خلطه الباطل بالحق". وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال) رواه مسلم. وفي رواية: (أمر أكبر من الدجال). قال النووي: (خلق أكبر من الدجال) المراد: أكبر فتنة وأعظم شوكة".
السادسة: خروج دابة من الأرض:
وهي المذكورة في قول الله تعالى: {أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون}(النمل:82)، قال السعدي: "إذا وقع على الناس القول الذي حتمه الله وفرض وقته {أخرجنا لهم دابة} خارجة من الأرض أو دابة من دواب الأرض ليست من السماء. وهذه الدابة {تكلمهم} أي: تكلم العباد {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} أي: لأجل أن الناس ضعف علمهم ويقينهم بآيات الله، فإظهار الله هذه الدابة من آيات الله العجيبة، ليبين للناس ما كانوا فيه يمترون. وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث، ولم يأت دليل يدل على كيفيتها، ولا من أي نوع هي، وإنما دلت الآية الكريمة على أن الله يخرجها للناس، وأن هذا التكليم منها خارق للعوائد المألوفة، وأنه من الأدلة على صدق ما أخبر الله به في كتابه"..
السابعة: خروج يأجوج ومأجوج:
قال ابن أبي العز الحنفي في "شرح الطحاوية": "ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه (يعني: المسيح عيسى ابن مريم) بعد قتله الدجال، فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم". وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح لمعة الاعتقاد": "يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان أو عربيان، مشتقان من المأج، وهو الاضطراب، أو من أجيج النار وتلهبها. وهما أمتان من بني آدم موجودتان بدليل الكتاب والسنة، قال الله تعالى في قصة ذي القرنين: {حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا * قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا}(الكهف: 94:93).. إن من أشراط الساعة: خروج يأجوج ومأجوج، وهم قوم من بني آدم على صفة الآدميين، وأما ما يعتقده بعض الناس من أن فيهم الطويل المفرط، وفيهم القصير جدا، وأنهم على أشكال غريبة، فإن هذا الاعتقاد مبني على غير دليل صحيح".
الثامنة: طلوع الشمس من مغربها:
طلوع الشمس من مغربها على خلاف العادة، فإذا طلعت من المغرب لا ينفع بعدها عمل، قال الله تعالى: {إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}(الأنعام:158). قال ابن كثير: "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها) ثم قرأ هذه الآية".. وقال البغوي: "{أو يأتي بعض آيات ربك} يعني: طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين"..
التاسعة: نار تخرج من قعرة عدن:
هذه النار تزيح الناس وتطردهم وتأخذهم إلى مكان حشرهم للحساب. وفي رواية مسلم في صحيحه: (تنزل معهم إذا نزلوا، وتقيل معهم حيث قالوا) من القيلولة، وهي استراحة نصف النهار بنوم أو غير نوم، والمعنى: أنها تلزمهم كل حين ولا تفارقهم حتى تأتي بهم إلى أرض المحشر. قال النووي: "(نار تخرج من قعرة عدن) ومعناه: من أقصى قعر أرض عدن، وعدن مدينة معروفة مشهورة باليمن"..
العلامة العاشرة: نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام من السماء إلى الأرض:
قال البغوي في تفسيره لقول الله تعالى: {وإنه لعلم للساعة}(الزخرف:61): "{وإنه} يعني عيسى عليه السلام، {لعلم للساعة} يعني: نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة: {وإنه لعلم للساعة} بفتح اللام والعين- أي: أمارة وعلامة". وقال السعدي: "{وإنه لعلم للساعة} أي: وإن عيسى عليه السلام لدليل على الساعة.. ويكون نزوله علامة من علامات الساعة". وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب (الذي يعظمه النصارى ويزعمون أنه قد صلب عليه)، ويقتل الخنزير، ويضع (لا يأخذ) الجزية، ويفيض (يكثر) المال حتى لا يقبله أحد.. ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا}(النساء:159)) رواه البخاري..

فائدة:
1 ـ ترتيب علامات الساعة الكبرى:
ترتيب علامات الساعة الكبرى مما اختلف فيه أهل العلم لاختلاف الروايات في ذلك. قال ابن حجر في "فتح الباري": "الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي.. قال الحاكم: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه". وقال المباركفوري في "شرح الترمذي": "اعلم أن الروايات قد اختلفت في ترتيب الآيات العشر، ولذا اختلف أهل العلم في ترتيبها".. لا يوجد نص صحيح صريح في ترتيب هذه العلامات، وإنما يستفاد ترتيب بعضها من جملة النصوص، وقد قال الشيخ ابن عثيمين: "أشراط الساعة الكبرى بعضها مرتب ومعلوم، وبعضها غير مرتب ولا يعلم ترتيبه، فمما جاء مرتبا نزول عيسى بن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال فإن الدجال يبعث ثم ينزل عيسى بن مريم فيقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج.. والترتيب لا يهمنا، وإنما يهمنا أن للساعة علامات عظيمة إذا وقعت فإن الساعة تكون قد قربت".
2 ـ تطبيق أشراط الساعة بشكل خاطئ:
إذا وقع حدث كبير أو ظاهرة غير طبيعية اتجه الناس لحديث أو شرط من أشراط الساعة المذكورة في الأحاديث النبوية وأنزله على الحدث أو الظاهرة تنزيلا خاطئا، يفتقد أحيانا إلى ثبوت وصحة الحديث، أو يفتقد إلى الفقه والفهم الصحيح في النص، ومن ثم يجب الرجوع في تفسير الأحداث والوقائع الغريبة إلى: صحة النص الذي يستشهد به، والرجوع إلى أهل العلم في شرحه وتنزيله على الواقع والحدث من عدمه.. في عهد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هاجت ريح حمراء شديدة غريبة على أهل الكوفة بالعراق، أثارت الفزع في الناس، فقام رجل يقول: الساعة، الساعة، يا ابن مسعود، يا أبا عبد الرحمن الساعة، الساعة.. فجلس عبد الله بن مسعود واعتدل في جلسته بعد أن كان متكئا، اهتماما بالرجل ولطمأنته من فزعه لأنه يعرف من نصوص الكتاب والسنة النبوية أن قبل قيام الساعة أشياء وعلامات ما جاءت وما وقعت، وقال للرجل: (إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا، ونحاها نحو الشام، عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام، قلت: الروم تعني؟ قال: نعم) رواه مسلم.

دل النبي صلى الله عليه وسلم أمته على كل خير، وحذرهم من كل شر، ومن ذلك إخباره بعلامات الساعة الكبرى التي تكون في آخر الزمان، لأن الإيمان بتحقق صدقها ووقوعها من الإيمان بالغيب واليوم الآخر، باعتبار أن أشراط الساعة من مقدماته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) رواه مسلم. قال الكرماني: "واليوم الأخر أي: القيامة". وقال السعدي: "إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به، لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه"..
ومن الفوائد والثمرات التي تؤخذ مما أخبرنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم من علامات وأشراط الساعة: الاتعاظ والاعتبار والاستعداد لها بالعمل الصالح.. قال ابن حجر في "فتح الباري": "والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظ الغافلين، وحثهم على التوبة والاستعداد".. وقال الشيخ ابن عثيمين: "والمقصود من هذه الأشراط هو إنذار الناس بقرب قيام الساعة، حتى يستعدوا لها ويعملوا لها".. 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة