تاملات فقهية في ‏غزوة بدر

0 1

‏مع انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بدأت في تاريخ الدعوة الإسلامية مرحلة جديدة من مراحلها المتنوعة، وهي مرحلة القتال أو الحرب الدفاعية، وكانت أولى معارك النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين قريش في موقعة بدر في السنة الثانية للهجرة.

‏أولا: خبر معركة بدر

‏روى أهل السير والحديث خبر معركة بدرا مطولا، نورد في هذا المقال خبرها مختصرا. فقد كان السبب الأبرز لهذه المعركة أنه تداعى لأسماع المسلمين مجيء قافلة تجارية لقريش قادمة من الشام يقودها أبو سفيان؛ فاستنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان سلاحه حاضرا من أصحابه لأخذ هذه القافلة؛ علهم يستردون شيئا مما أخذته منهم قريش في مكة، وكان أبو سفيان حذرا حسب أن يخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، فكان يراقب الطريق، واستطاع أن يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وأصحابه لأخذ هذه القافلة، فأرسل إلى قريش يستنفرهم للدفاع عن القافلة، وغير هو طريق القافلة تجاه البحر، واستطاع الإفلات من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

‏خرجت قريش بعدها وعديها في نحو من ألف مقاتل يقودهم أبو جهل، ثم تداعى لأسماعهم أن أبا سفيان قد نجى بقافلته، فهموا بالرجوع إلى مكة، لكن أبا جهل أبى إلا أن يأتي بدرا فخرا وكبرا. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمئة وأربعة عشر رجلا من أصحابه، ولـما علم أن القافلة قد نجت وأن قريشا قد أبت إلا المجيء إلى بدر؛ رغب صلى الله عليه وسلم أن يلاقي جيش قريش، ولكنه أراد أن يستوثق من الأنصار أهل المدينة، فقال: أشيروا علي أهل الناس، فقال له سعد بن معاذ: "يا رسول الله: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله". فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: "سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم". رواه البيهقي في الدلائل.

‏ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر سأله الحباب بن المنذر عن سبب نزوله في هذا المكان، فقال صلى الله عليه وسلم: "الحرب والمكيدة" فقال الحباب: "يا رسول الله: فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، فنشرب ولا يشربون"، فقال النبي ﷺ: "لقد أشرت بالرأي". رواه البيهقي في الدلائل. وأمر رسول الله أصحابه أن ينزلوا حيث أشار الحباب وكان ذلك المكان من أسباب نصرهم.

‏التقى المسلمون بجيش قريش في بدر، ووقعت بينهما ملحمة كبيرة، انتصر فيها المسلمون انتصارا كبيرا، وقتل جل صناديق قريش، قتل أبو جهل، وأمية، وعتبة، وشيبة وغيرهم من رجالات قريش، وأسر منهم العشرات، وقد سحب صناديد قريش إلى قليب بدر، ووقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطبهم، فقال له عمر: "يا رسول الله، ما تخاطب من أجساد لا أرواح فيها؟!" فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب".

‏استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في أسرى قريش؛ فأشاروا عليه بقبول الفدية منهم؛ إلا عمر فقد أشار عليه بقتلهم، ففاداهم رسول الله، ثم نزل الوحي يخطئ رسول الله وأصحابه، ويوافق ما قاله عمر رضي الله عنه.

‏ثانيا: تأملات فقهية

لم تكن‏ معركة بدر مجرد واقعة عسكرية حاسمة، بل كانت نقطة فاصلة بين الإيمان والكفر، تزخر بالدروس والعبر، ومن أبرز ما يؤخذ منها:

1.   ‏أن يعي المسلم أنه قد يدبر لنفسه شيئا فيصرفه الله عنه إلى غيره، فربما حزن، ثم يدرك أن ما دبره الله تعالى له خيرا مما دبره لنفسه. فالمسلمون يوم بدر خرجوا يريدون شيئا من الدنيا، فصرفهم الله عنه وأراد لهم القتال، فكره ذلك بعضهم بداية، ثم تبين لهم أن ما دبره الله لهم كان خيرا مما دبروه لأنفسهم، رجعوا من بدر بعز الدنيا والآخرة، قال الله لهم: اعملوا ما شئتم ‌فقد ‌غفرت ‌لكم رواه البخاري ومسلم.

2.   ‏إشارة الحباب بن المنذر على رسول الله بالنزول في مكان آخر في بدر وقبول رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك؛ فيه دلالة على أنه ليس كل تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم تكون باعتباره رسولا مبلغا، بل منها ما يكون باعتباره بشرا ينظر ويخطط كغيره من البشر، ويجوز عليه في ذلك الصواب والخطأ، ولذلك كان ما أشار به الحباب على رسول الله خيرا مما اختاره رسول الله، وقد كانت أكثر تصرفاته صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالحرب أو الدولة من باب السياسة الشرعية كونه رئيس دولة له صلاحيات ينظر في المصالح والمفاسد، لا باعتباره وحيا لا تجوز مخالفته، كما قال القرافي وابن عاشور وغيرهم.

3.   مع أن الله عز وجل قد وعد رسوله بالنصر؛ إلا أنه صلى الله عليه وسلم ظل ليلة المعركة قائما يتضرع ويدعو الله عز وجل أن ينصره، وأن يصدقه وعده؛ فلماذا يجهد في الدعاء بالنصر؟ لأنه عبد! فالإيمان بوعد الله حق، ولكن لا بد للمسلم أن يمتثل ويتصف بصفة العبودية التي هي وظيفته في الدنيا، والتي هي ثمن النصر والتأييد في كل محنة تنزل بالمسلم.

4.   ‏معاتبة الله تعالى لرسوله في أسرى بدر؛ دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد دون وحي كما قال الأصوليون، وإذا أخطأ صلى الله عليه وسلم في اجتهاده؛ فإن الوحي يتدخل ويصحح الخطأ كما في حادثة الأسرى. قال تعالى: (ما كان لنبي أن يكون لهۥٓ أسۡرى حتى يثۡخن في ٱلۡأرۡضۚ تريدون عرض ٱلدنۡيا وٱلله يريد ٱلۡأٓخرةۗ وٱلله عزيز حكيمٞ (67) لوۡلا كتبٞ من ٱلله سبق لمسكمۡ فيمآ أخذۡتمۡ عذاب عظيمٞ (68)) [الأنفال: 67-68].

الدروس والعبر التي تؤخذ من هذه المعركة كثيرة، وستظل هذه المعركة وغيرها من معارك رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرسة يستلهم منها المسلمون حسن التوكل واليقين بنصر الله تعالى.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة