الموجبتان للجنة والنار

0 1

التوحيد هو الأصل والركيزة الأساسية في الإسلام، يبنى عليه الإيمان الصحيح، ويؤدي إلى الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، وهو الطريق والمفتاح الذي تفتح به الجنة، بما فيها من نعيم لم تره عين، ولا خطر على قلب بشر.. وأما الشرك بالله، فهو أعظم الظلم، وأكبر الذنوب، وسبب الهلاك والعذاب الدائم في الآخرة، وهو الذنب الذي يوجب لصاحبه النار، ولا يغفره الله إلا بالتوبة الصادقة والخروج من الشرك إلى التوحيد.. وقد أجمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني وغيرها في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار) رواه مسلم.

قال النووي: "قوله: (ما الموجبتان؟) معناه الخصلة الموجبة للجنة، والخصلة الموجبة للنار". وأكد السيوطي على هذا المعنى بقوله: "الموجبتان: الخصلة الموجبة للجنة والخصلة الموجبة للنار"..
وأضاف القرطبي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": "قوله: (ما الموجبتان؟) سؤال من سمعهما ولم يدر ما هما، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأنهما: الإيمان (التوحيد)، والشرك، وسميا بذلك لأن الله تعالى أوجب عليهما ما ذكره من الخلود في الجنة أو في النار. وقوله: (من مات لا يشرك بالله شيئا، دخل الجنة) أي: من مات لا يتخذ معه شريكا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة. ومن المعلوم من الشرع المجمع عليه من أهل السنة: أن من مات على ذلك (التوحيد) فلا بد له من دخول الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة، وأن من مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله تعالى رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آباد، وهذا معلوم ضروري من الدين، مجمع عليه من المسلمين"..
وقال الشوكاني في "فتح القدير": "لا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ". وقال أيضا: "التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين"..
وأضاف الهروي: "يقال: أوجب الرجل إذا عمل ما يجب به الجنة أو النار.. فالموت على الشرك الأكبر سبب لدخول النار والخلود فيها، و(من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة) فالموت على التوحيد سبب لدخول الجنة". وقال القاري في "شرح مشكاة المصابيح": "(ما الموجبتان؟) أي السببان، فإن الموجب الحقيقي هو الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (من مات يشرك بالله شيئا دخل النار) فالموت على الشرك الأكبر سبب لدخول النار وخلودها، (ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة) فالموت على التوحيد سبب لدخول الجنة)"..
وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان، وأصل الفساد: الشرك والكفر". وأجمل القول حافظ بن أحمد بن علي الحكمي في "معارج القبول": "والأحاديث في عظم ذنب الشرك وشدة وعيده أكثر من أن تحصى.. والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أول دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله عز وجل ونفي الشرك، فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك"..

التوحيد:
شهادة التوحيد "لا إله إلا الله" إقرار لله سبحانه باستحقاق العبادة وحده لا شريك له، ونفي الشركاء معه، وهذه الشهادة هي التي تنجي قائلها بصدق من النار ومن عذاب يوم القيامة، ومن عمل بما دلت عليه ـ كلمة التوحيد ـ كانت له السعادة في الدنيا والآخرة.. والأحاديث النبوية في فضائل التوحيد كثيرة يصعب حصرها، وهي تدل على أن من قال "لا إله إلا الله" دخل الجنة، ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عتبان بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).. وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض (بملء الأرض) خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي. وفي هذا الحديث وما شابهه من أحاديث: فضل التوحيد، وأن الله يغفر للموحدين الذنوب والمعاصي كلها، وفيه: سعة رحمة الله تعالى ومغفرته وفضله، وخطورة الشرك..

الشرك بالله:
الشرك الأكبر بالله له آثار خطيرة، وأضرار مهلكة، والآثار والأضرار المترتبة عليه لا يمكن حصرها لكثرتها، ويكفي العاقل زجرا أن يعلم أن الشرك الأكبر لا يغفره الله إذا مات صاحبه قبل التوبة منه ويحرم عليه الجنة، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}(النساء:48). قال ابن كثير: "أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به {ويغفر ما دون ذلك} أي: من الذنوب {لمن يشاء} أي: من عباده، وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة"..
وأضاف السعدي: "يخبر تعالى: أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدا من المخلوقين، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب صغائرها وكبائرها، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك، إذا اقتضت حكمته مغفرته. فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابا كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين. ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد. وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد"..
وقال ابن القيم في "إغاثة اللهفان": "والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله، وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره.. وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية"..

من كان من أهل التوحيد وتحقق به وبمعانيه، أضاء الله له طريق النجاة والسعادة والفوز بالجنة، ومن أشرك بالله فقد ألقى بنفسه في مهاوي الهلاك، وجلب لها الخسران العظيم، وأوجب لنفسه نار جهنم، قال الله تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}(المائدة:72). قال ابن كثير: "أي: فيعبد معه غيره {فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}(النساء:48)".. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار).. وفي هذا الحديث: بيان فضل الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وفيه: التحذير من الشرك بالله عز وجل وبيان عظيم خطره..

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة