سبب ورود حديث: من سن في الإسلام سنة حسنة هل يفسر معناه؟

0 0

قد يشكل ظاهر بعض الروايات على العلماء أو بعضهم، لكونه يحتمل معنى غير مراد عندهم، أو يحتمل معنى يتعارض مع نصوص أخرى، وللعلماء منهجية متكاملة في تخريج هذه النصوص والجمع بينها، والجواب عما أشكل من معانيها، ومن تلك المنهجية المتبعة في رفع الإشكال هو رد المعنى إلى سبب ورود الحديث، فقد يكون السبب مفسرا للمعنى على وجه يحل الإشكال، ويرفع الاحتمال، فيوجهون المعنى قياسا على صورة السبب ومعنى الواقعة التي ورد الحديث في سياقها، وذلك جريا على قاعدة إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.

بين يدينا حديث في صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.

المعنى الظاهر من قوله: "من سن" أي اخترع، حيث نسب السنة إلى المكلف، فيستدل بهذا المعنى على أن المسلم قد يفعل سنة غير واردة بخصوصها ويكون هذا من الاستنان الحسن، ويكون مأجورا عليه ما دامت السنة توصف بالحسنة، وعليه فلا تذم البدعة بإطلاق، وإنما تذم إذا كانت سيئة، فجمع الصحابة للقرآن على أحرف، ثم اقتصارهم على حرف واحد، عمل مخترع، لكن لما كان وسيلة لحفظ القرآن، واجتماع الناس بعد تفرقهم، كانت بدعة حسنة يؤجرون عليها، وعلى هذا التفسير ينسجم تقسيم العلماء للبدعة إلى بدعة مذمومة وبدعة محمودة، وتجري عليها الأحكام الخمسة، لأن البدعة لا تذم من حيث هي اختراع، بل ينظر فيها فإن كانت حسنة فهي مقبولة مأجور عليها، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: "وكل بدعة ضلالة" من العام المخصوص كما ذكر النووي وغيره.

قال العز ابن عبد السلام في آخر كتاب "القواعد": البدعة منقسمة إلى: واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة.. والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة". انتهى

وبناء على ذلك اختلفت تعريفات البدعة، قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: "البدعة بكسر الباء في الشرع هي: إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى: حسنة وقبيحة". وهذا التقسيم الإجمالي، وله تقسيم تفصيلي، قال في شرحه على صحيح مسلم: "قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة، فمن الواجبة: نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة: تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباح: التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران.. فإذا عرف ما ذكرته علم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: "نعمت البدعة"، ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا قوله "كل بدعة.." مؤكدا بـ "كل"، بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى: (تدمر كل شيء)..".

وأما الاتجاه الآخر كالشاطبي فإنه يعرف البدعة في كتاب الاعتصام بأنها: "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه". وبناء على ذلك لا يرى صوابية هذا التقسيم للبدعة، ويرى أن تفسير الحديث بما سبق ذريعة للابتداع في الشرع، واختراع عبادات وأعمال تحت مسمى البدعة الحسنة، مؤكدا أن معنى قوله: "من سن" أي: من أحيا سنة قد أميتت أو قل العمل بها، فالحديث يتكلم عن سنة ثابتة لا عن عمل مخترع، ويرى أن البدعة مذمومة بإطلاق، قال: "فليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية". واعتمد في تحديد هذا المعنى على أمور من أهمها السبب الذي ورد الحديث لأجله.

وحين نرجع للروايات نجد أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة، بدليل ما في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنهما: قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم مضر بل كلهم من مضر، فقمص وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رآهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج فأمر بلالا، فأذن وأقام، فصلى، ثم خطب، فقال: {ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1]. والآية التي في سورة الحشر: {اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} [الحشر: 18]. وبعد: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة ، قال: فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة; فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة; كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.

يقول الشاطبي مستشهدا بسبب الورود: "فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة، وأن الحديث مطابق لقوله في الحديث الآخر: من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي الحديث إلى قوله ومن ابتدع بدعة ضلالة، فجعل مقابل تلك السنة الابتداع، فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة، وكذلك قوله: ومن أحيا سنتي فقد أحبني.، ووجه ذلك في الحديث الأول ظاهر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما مضى على الصدقة أولا ثم جاء ذلك الأنصاري بما جاء به فانثال بعده العطاء إلى الكفاية، فكأنها كانت سنة أيقظها رضي الله تعالى عنه بفعله، فليس معناه: من اخترع سنة وابتدعها ولم تكن ثابتة". انتهى

وهذا الاتجاه الذي يرى أن عموم البدع مذمومة، يفرق بين الابتداع وبين المصالح المرسلة، فما كان فيه مصلحة الناس، ولا يوجد في الشرع ما يعارضه، وتقتضيه القواعد العامة، فهو من المصالح المرسلة، ويمثلون لذلك بتصنيف العلوم، وإنشاء المدارس العلمية، كما فعل الصحابة في جمع القرآن، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، وغيرها.  

قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يعدد طرق الأحكام الشرعية في علم أصول الفقه: "الطريق السابع: المصالح المرسلة، وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه". انتهى، وعليه فإن سبب ورود الحديث على رأي الشاطبي ومن معه يخصص معنى الحديث بإحياء السنن، وينفي المعنى الآخر "الاختراع" لتعارضه مع عموم ذم البدعة في الأحاديث ووصفها بالضلالة، وقد سبق كيف يوجه العلماء الآخرون تلك الروايات، وتبقى المسألة خلافية محتملة، والعلماء على اختلافهم في تفسير هذه الروايات متفقون على أصل النهي عن الابتداع في الدين، وحرمة الإحداث في الشرع مما ليس منه، وإن اختلفوا في التفسيرات والتقسيمات، وربما يظهر أثر الخلاف في البدع الإضافية.
 

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة