يوم الحِساب

0 0

يوم القيامة هو اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق ليحاسبهم بأعمالهم التي قدموها في الحياة الدنيا، قال الله تعالى: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا} (النساء87). قال البغوي: "وسميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم". وقد أخبرنا الله تعالى عن يوم القيامة وأهواله فقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}(الحج:2:1). قال السعدي: "{إن زلزلة الساعة شيء عظيم} لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنهه، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة، رجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال واندكت، وكانت كثيبا مهيلا ثم كانت هباء منبثا، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج. فهناك تنفطر السماء، وتكور الشمس والقمر، وتنتثر النجوم، ويكون من القلاقل ما تنصدع له القلوب، وتجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، وتذوب له الصم الصلاب، ولهذا قال: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت} مع أنها مجبولة على شدة محبتها لولدها، خصوصا في هذه الحال، التي لا يعيش إلا بها. {وتضع كل ذات حمل حملها} من شدة الفزع والهول، {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} أي: تحسبهم - أيها الرائي لهم - سكارى من الخمر، وليسوا سكارى. {ولكن عذاب الله شديد} فلذلك أذهب عقولهم، وفرغ قلوبهم، وملأها من الفزع، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وفي ذلك اليوم، لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا"..
ومن أحداث يوم القيامة ما يعرف بـ "الحساب"..

يوم الحساب:
لما عظم أمر يوم القيامة، وكثرت أهواله، سماه الله في كتابه بأسماء كثيرة ومتنوعة تنبيها للعباد ليخافوا منه ويستعدوا له بالإيمان والتقوى والعمل الصالح.. والعرب من عادتهم أن الشيء إذا كان عندهم عظيما له شأن كثروا من أسمائه، قال القرطبي في "التذكرة": "وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه، هذا ماهية كلام العرب، ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه، وتأكد نفعه لديهم وموقعه جمعوا له خمسمائة اسم، ولهذا نظائر". وقال ابن حجر في "فتح الباري": "وقد جمع الغزالي ثم القرطبي - أسماء يوم القيامة - فبلغت نحو الثمانين اسما".. وأضاف الشيخ ابن عثيمين: "سبب تعدد أسماء يوم القيامة أنها أسماء تدل على أوصاف، فهي (الساعة)، وكلمة الساعة تقال في اللغة العربية لما يقع فيه الأمر العظيم الشديد الشاق، وتسمى (الحاقة) لكونها حقا، ووصفها الله جل جلاله أن زلزلتها شيء عظيم لما فيها من الأهوال، ووصفت بـ: (القارعة).. إلى غير ذلك من الأوصاف التي كل وصف منها يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر أو الوصف الآخر، فهذه هي الحكمة من تعدد أوصافها وذكرها حتى يكون ذلك أبلغ في الإيمان بها وأقوم للاستعداد لها"..
ومن أسماء يوم القيامة التي ذكرها أهل العلم وأخذوها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: "يوم الحساب"، قال الله تعالى: {وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب}(غافر:27). قال القرطبي: "وسمي يوم الحساب: لأن الباري سبحانه يعدد على الخلق أعمالهم، من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه ثم يقابل البعض بالبعض"..

المراد بالحساب يوم القيامة:
الحساب لغة كما قال ابن فارس في "مقاييس اللغة": "عد الله على الخلق أعمالهم وتعريفه عز وجل الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم ما قد نسوه من ذلك". وقال السفاريني في "لوامع الأنوار البهية": "قال الثعلبي: الحساب تعريف الله عز وجل الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم ما قد نسوه من ذلك، يدل على هذا قوله تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه}(المجادلة:6). وقال بعضهم: معنى كونه محاسبا لخلقه أنه تعالى يعلمهم ما لهم، وما عليهم.. واصطلاحا (الحساب): توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم، خيرا كانت أو شرا، تفصيلا لا بالوزن، إلا من استثنى منهم"..
وأضاف الإمام الطحاوي في "بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة": "نؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب". وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح العقيدة الواسطية": "المحاسبة: إطلاع العباد على أعمالهم يوم القيامة. وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل: أما الكتاب، فقال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا * وينقلب إلى أهله مسرورا * وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبورا * ويصلى سعيرا}(الانشقاق:12:7). وأما السنة فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام بعدة أحاديث أن الله تعالى يحاسب الخلائق. وأما الإجماع فإنه متفق عليه بين الأمة أن الله تعالى يحاسب الخلائق.. وأما العقل فواضح لأننا كلفنا بعمل فعلا وتركا وتصديقا، والعقل والحكمة تقتضيان أن من كلف بعمل فإنه يحاسب عليه ويناقش فيه"..

الأدلة على الحساب يوم القيامة:
الأدلة على ثبوت الحساب يوم القيامة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة كثيرة، ومن ذلك:
1 ـ قال الله تعالى: {واتقوا الله إن الله سريع الحساب}(المائدة:4). قال الطبري: "اعلموا أن الله سريع حسابه لمن حاسبه.. فيجازي المطيع منكم بطاعته والعاصي بمعصيته، وقد بين لكم جزاء الفريقين". وقال الشوكاني أي: حسابه سبحانه سريع إتيانه، وكل آت قريب"..
2 ـ قال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا * وينقلب إلى أهله مسرورا}(الانشقاق:9:7). قال الطبري: "فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} بأن ينظر في أعماله، فيغفر له سيئها، ويجازى على حسنها، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل". وأضاف ابن كثير: "{فسوف يحاسب حسابا يسيرا} أي: سهلا بلا تعسير، أي: لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك يهلك لا محالة". وقال ابن عطية: "الحساب اليسير: هو العرض: وأما من نوقش الحساب فإنه يهلك ويعذب".
3 ـ قال الله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب}(غافر:17). قال الشيخ ابن عثيمين: "{إن الله سريع الحساب} أي: سريع محاسبة الخلائق على أعمالهم".
4 ـ قال الله عز وجل: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب}(النور:39). قال الطبري: "{والله سريع الحساب} يقول: والله سريع حسابه لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد أصابع ولا حفظ بقلب، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد، ومن بعده ما عمله".
5 ـ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نوقش الحساب عذب، فقلت: أليس يقول الله تعالى: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا}(الانشقاق:8)؟! قال: ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) رواه البخاري.
قال ابن حجر في "فتح الباري": "قال القرطبي: معنى قوله: "(ذلك العرض) أن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منة (فضل) الله عليه في سترها عليه في الدنيا وفي عفوه عنها في الآخرة". وأضاف النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم (من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) معنى نوقش استقصى عليه.. ومعناه أن التقصير غالب في العباد، فمن استقصي عليه ولم يسامح هلك ودخل النار، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء". وقال الصنعاني: "(من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) وذلك لأن كل عبد لا يفي بما عليه"..
6 ـ عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، و الموت خير له من الفتنة، و يكره قلة المال، و قلة المال أقل للحساب) رواه أحمد. قال المناوي: "(اثنان يكرههما ابن آدم) غالبا، قيل: وما هما؟ قال: (يكره الموت) أي نزوله به (والموت) أي: موته (خير له من الفتنة) أي: الكفر والضلال، أو الإثم أو الاختبار والامتحان ونحوها، وذلك لأنه ما دام حيا لا يأمن الوقوع في ذلك {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}(الأعراف:99). (ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب) يعني السؤال عنه كما في الحديث: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع)، وفيه: (عن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟) أي: ولو حلالا"..

من عقيدة أهل السنة الإيمان بالحساب يوم القيامة.. قال الإمام الكرماني في "إجماع السلف في الاعتقاد": "يعرض على الله العباد يوم الفصل والدين، فيتولى حسابهم بنفسه، لا يلي ذلك غيره عز ربنا وجل، وهو على ما يشاء قدير".. وقال ابن بطة العكبري في "الإبانة الصغرى": "ثم الإيمان بالمساءلة: إن الله عز وجل يسأل العباد عن كل قليل وكثير في الموقف، وعن كل ما اجترموا، ليسأل الصادقين عن صدقهم، قال الله: {فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون}(الحجر:93:92)، ويأخذ للمظلومين من الظالمين، حتى للجماء (الشاة التي ليس لها قرن) من القرناء (التي لها قرن وضربت به غيرها)، وللضعيف من القوي"..
وأضاف وفصل الشيخ صالح آل الشيخ في "اللآلئ البهية": "الحساب هو المقصود من الإيمان باليوم الآخر، فإن الإيمان بالبعث معناه الإيمان بيوم يرجع فيه الناس إلى الله فيحاسبون، وحقيقة الإيمان بالبعث هو الإيمان بالحساب، لأنه ما ثم شيء إلا سيحاسب الله جل وعلا عبده عليه، وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة في إثبات الحساب، فإنكاره كفر بالله جل وعلا، لأن من أنكر الحساب فهو منكر للبعث".. وقال الشيخ ابن عثيمين: "المؤمن يحاسب ولكنه ليس حساب مناقشة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نوقش الحساب هلك -أو قال- عذب)، لكنه حساب عرض"..

سيعرض الخلق كلهم جميعا على الله عز وجل ويحاسبهم على ما قدموا يوم القيامة، قال الله تعالى: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}(الحاقة:18). قال ابن كثير: "أي: تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال: {لا تخفى منكم خافية} وقد قال ابن أبي الدنيا: عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم"..
وقال القرطبي في "التذكرة" في كلامه على ثمرات الإيمان بالعرض على الله والحساب يوم القيامة: "أن يحرص العبد على فعل الخيرات، ويجتهد في تحصيل الطاعات، ويبتعد عن المعاصي وعن المهالك، لأنه يعلم علم اليقين أنه سيأتي اليوم الذي ستعرض أعماله، وتكشف الصحائف على ما قدمت يداه".. 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة