- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:ثقافة و فكر
في عالم يتسم بالتغيرات السريعة والضغوط المتزايدة، يواجه المسلم تحديات كثيرة وخطيرة، ومن هذه التحديات قيود البيئة التي تحيط به، ويعيش فيها، بسلبياتها وإيجابياتها، بيئة المنزل والمدرسة، بيئة الشارع والمجتمع، بل وبيئة النظم: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية التي حوله.
والعودة إلى سماحة الإسلام، ويسره، مسؤولية عظيمة تتطلب من المسلم أن يرتفع بنفسه أولا فوق التحديات والقيود البيئية المحيطة به، فكيف يمكن للفرد أن يسعى لرفع مستوى الآخرين إذا كان هو نفسه مقيدا بآثار تلك البيئة، سواء كانت سلبية أم إيجابية؟.
تعتبر البيئة المحيطة بالإنسان، سواء كانت منزلية أو مدرسية أو مجتمعية، مؤثرا كبيرا على تصرفاته وأفكاره، فكل فرد يحمل في عقله، ووجدانه أثر تلك البيئة، مما يجعله عرضة لتبني عادات وتقاليد قد لا تتماشى مع القيم الإسلامية، فالمسلم الذي ينشأ في مجتمع يعاني من الإسراف في الأموال، قد ينغمس في إنفاقه دون حساب، مما يجعله بعيدا عن روح الاعتدال التي يدعو إليها الإسلام، كما أن هناك من يعتقد أن التفكير في المال وإدارته هو أمر لا ينبغي أن نشغل نفوسنا به باعتبار أن الله سبحانه ضمن لنا الأرزاق، وهذا الفهم السقيم يفوت على صاحبه أهمية التخطيط المالي، وبالتالي يكون إنسانا كلا لا يساهم في نهضة وبناء المجتمعات وتقدم الأمم.
إن الإسراف والتبذير ليسا مجرد عادات سيئة، بل هما أعراض لمرض اجتماعي يعاني منه الكثيرون، وقد عالج القرآن الكريم هذه الظاهرة بتوجيهات واضحة، حيث قال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} (الإسراء-29)، هذا التوجيه يشير إلى أهمية الفهم العميق لقيمة المال، وكيفية استثماره في مسارات الخير، وهو ما يتطلب من المسلم أن يتجاوز تأثيرات البيئة المحيطة به وأن ينظر إلى الأمور من منظور أعمق.
علاوة على ذلك، يتعرض المسلم لتحديات اجتماعية تتعلق بالمجتمع الذي ينتمي إليه، سواء كان ريفيا أو حضريا، غنيا أو فقيرا، فقد يتبنى الفرد سلوكيات غير ناضجة أو سطحية في تقييمه للآخرين، أو قد يستخدم المكر، والتدليس في تعامله مع الناس، معتقدا أن ذلك يعد ذكاء، لكن الحكمة تتطلب أن يتمتع المسلم ببصيرة حقيقية، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لست بالخب ولا الخب يخدعني".
إن الوعي بمثل هذه التصرفات يمكن أن يساعد المسلم على توجيه طاقاته نحو ما ينفع المسلمين ويعزز من وحدتهم.
وفي عصر الإقليميات الضيقة، يتعرض المسلم لمشكلات جديدة تتمثل في التعصب والمناطقية، فقد نجد أن التعصب لأهل المدينة أو القرية قد يعيق الفهم الصحيح للدين، ويجعل بعض الأفراد ينظرون إلى الآخرين بنظرة دونية، هذا التعصب لا يتماشى مع مبادئ الإسلام التي تدعو إلى التعارف بين الشعوب والقبائل، وليس التناحر، والإسلام يحطم هذه الحواجز، ويعزز من الشعور بالوحدة بين المسلمين، بغض النظر عن أصولهم أو أماكنهم.
يقول الأستاذ/ محمد العبدة: وقد يقع المسلم في حبائل هذه الإقليمية دون أن يدري، فينظر للمسلمين الآخرين نظرة أهل بلده، فيظن أن الآخرين لا يفهمون الإسلام مثل فهمه، وأنهم مقصرون وهو الحقيق بأن يعيد مجد الإسلام، وقد يأتي بهذه النظرة على شكل المزاح والطرائف، ولكنك تشعر أنه في داخله يحمل هذا المرض، والعجيب أن هذا المسلم يدعو إلى العالمية، وهو يعتقد فعلا أن دعوته عالمية وأن الإسلام لا يقبل هذا المنطلق الإقليمي، هذا مع أن الله قد بين أنه خلق الناس شعوبا وقبائل من أجل التعارف، لا من أجل التناكر والتناحر، وأن الإسلام جاء ليهدم هذه العصبية، وقد يقع المسلم في نوع من الجاهلية، ولكنه إذا ذكر تذكر وآب إلى الحق، أو هكذا يجب أن يكون".
إن الوعي بهذه التحديات هو الخطوة الأولى نحو التغيير، والواجب علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية، والحكمة الكاملة؛ لمواجهة هذه الأثقال البيئية التي قد تعوق مسيرتنا، وسيرنا إلى الكمال والتقدم والازدهار.
وهذا الأمر يتطلب التفكير النقدي والتحليل العميق للوضع الحالي، والسعي نحو الارتقاء بالذات وبالآخرين في آن واحد، فالمسلم يجب أن يكون قدوة في التغيير، يسعى لتطبيق القيم الإسلامية في حياته اليومية، ويعمل على نشر الخير، وبذر الفضيلة بين الناس، ويكون غيثا أينما هطل نفع.
إن التفاعل مع البيئة المحيطة لا يعني الاستسلام لها، بل يتطلب من المسلم أن يكون واعيا لتأثيراتها، وأن يسعى للعمل على تغييرها نحو الأفضل، فالجهود الفردية والجماعية في هذا الاتجاه يمكن أن تسهم في تشكيل مجتمع أفضل، والتغيير يبدأ من الداخل، ثم يتمدد ليشمل المجتمع بأسره.
ختاما يظهر جليا أن المسلم مطالب بأن يكون واعيا لتحديات بيئته، وأن يسعى للتغلب عليها، ومغالبة الواقع بكل حكمة، ولين، وبصيرة، فالتفاعل مع البيئة ليس مجرد استجابة سلبية، بل هو دعوة للتغيير والنمو، عبر الوعي، والتفكير النقدي، حتى يتمكن الفرد من تحقق التوازن بين متطلبات الحياة المادية، والتطبيق العملي للدين في حياته، حتى يعزز من هويته كمسلم ويقودها نحو تحقيق رسالة الإسلام في نشر الخير والتسامح، والتعاون بين الشعوب.
إن الارتقاء بالذات هو الطريق نحو بناء مجتمع قوي ومتماسك، يتجاوز القيود ويسعى نحو الأهداف النبيلة التي دعا إليها الإسلام.

المقالات

