- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:اقرأ في إسلام ويب
ما أكثر ما نتحدث عن السعادة، وما أقل ما نهتدي إلى حقيقتها!
إنها الغاية التي يسعى إليها كل إنسان، ثم تراها إذا فتشت في القلوب شبحا مراوغا، أو سرابا يلمع من بعيد، وكلما هم المرء أن يقبض عليها، وجدها تفلت من بين يديه كما يفلت الماء من الأصابع.
ومنذ فجر التاريخ، والإنسان يسعى وراء سرها الخفي، ويلاحق نجمها البعيد، وما من أحد إلا ويطلبها.
قالوا عن السعادة
السعادة الشعور بالبهجة والاستمتاع بالوقت نفسه، بالإضافة إلى أنها الحالة التي من خلالها يحكم الإنسان على حياته، بأنها حياة مليئة بالاستقرار والراحة، وبعيدة كل البعد عن المصاعب، والأوجاع، وضغوطات الحياة المختلفة، مما يدفعه للشعور بالأمل، والحياة الأفضل في جميع الأوقات.
ولكن هذا تعريف لا يمكن التسليم به، فخلو الحياة من المنغصات، يتعارض مع طبيعة الدنيا كلها.
تقول الكاتبة وجدان شتيوي: "إن السعادة غاية مشتركة لدى الجميع، وحاجة أساسية وملحة لا يختلف عليها اثنان، لكن لماذا لا يصل إليها الجميع رغم سعيهم الدؤوب، وسيرهم الحثيث نحو دروبها! إن السر يكمن في الفهم الخاطئ لمفهوم السعادة الحقيقية، فعندما ترتبط السعادة بأمور مؤقتة سينتهي الشعور بها حتما بزوال المؤثر اللحظي القصير الأمد.. فمن الناس من يرى سعادته بمال يجمعه، أو شريك يكمل حياته معه، أو منصب يصله، أو بلد يسافر إليه، لكن المال يفنى، والناس يتغيرون، والمنصب يزول، وكل البلاد تقسو على أهلها، فما سر السعادة الحقيقية؟ أهي موجودة ممكنة أم أنها محض خيال؟ أخيوطها مرئية لنا أم أنها غائبة في بطن المستحيل؟".
وسأل الناس الحكماء عن السعادة، فاختلفت أجوبتهم اختلاف مطالع الشمس في الفصول، فمن الحكماء من كتب سفرا طويلا في السعادة، والعجيب أنه بدأ الحديث عن السعادة بالحديث عن الشقاء، وجعل معرفة الشقاء طريقا لتحقيق السعادة، كأنه يقول:
ويزعم هذا الحكيم أن الطريق إلى السعادة يكمن في اجتناب منغصات العيش.. ولكن من يملك أن يجتنب الظلم المترسخ في النفوس؟ أو النفاق الذي لبس ثوب الطبع؟ أو الكذب الذي صار لغة هذا العصر؟
ثم توالى الحكماء والفلاسفة يعرفون السعادة، ويبحثون عن ماهيتها حتى قالوا لنا: "إن السعادة فكرة لا تقاس بالسمع والبصر، ولا تشم في عبير الورود، ولا تلمس في بهرج الذهب، إنما هي معنى يتجاوز الحس إلى الروح"..
وزاد بعضهم فقال: "السعادة نشاط روحي، لا يثمر إلا إذا تحول إلى ممارسة للفضيلة، وإلى ارتقاء في مدارج الخير، وكأنهم يقولون لنا: لا سعادة إلا في إنسان ينقطع عن الدنايا، ليجعل حياته معراجا إلى المكارم".
ودعا بعضهم للعزلة لتحقيق السعادة. لكن هل تكفي العزلة لصناعة السعادة؟ هل يكون المرء سعيدا إذا اعتزل الناس في برج عال، يتأمل صراعاتهم من بعيد؟ إن السعادة قطعا ليست في أن يرفع الإنسان رأسه إلى السماء وحده، ولا أن يشيح بوجهه عن الناس حزنا وأسفا، بل أن ينزل إليهم، يشاركهم عيشهم، ويهديهم إلى الفضيلة بفعله، قبل قوله، كيف لا وقد جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (المؤمن الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم ، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، و لا يصبر على أذاهم) "رواه أحمد".
وعند الحديث عن السعادة يستوقفنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)"الترمذي"، فكأن السعادة أن يعتق المرء نفسه من رق الشهوات، ومن أسر اليأس والاضطراب، وأن يسير بزورقه وسط بحر متلاطم، يلاين الموج حينا، ويصارع العاصفة حينا، دون أن يفقد بوصلة روحه أو يبيع ذاته.
إن الفرق بين الإنسان والحيوان ليس في الحواس، ولا في الغرائز، بل في هذا السر الروحي الذي يتوهج في داخله، فإذا سمت الروح بالفضيلة، وصبرت على مشاق الطريق، وتمترست بالخير، انعقدت السعادة في القلب كما ينعقد الضوء في الفجر. وليس هذا الكلام حلما طائرا في سماء المثل، بل هو دعوة إلى الواقع نفسه.
فالسعادة في خاتمة القول ليست وعدا ينتظرنا عند خط النهاية، ولا جائزة نمنحها من غير ثمن، بل هي فن الحياة نفسها، هي عادة من عادات الروح، تغرس بالإيمان، وتسقى بالصبر، وتثمر بالفضيلة، من تعلم كيف يعيشها صار حرا وإن كان في قيد، غنيا وإن خلا من وفير المال، سعيدا وإن أحاطته المنغصات.
والحقيقة التي لا جدال فيها أن الجالب الأكبر للسعادة هو الإيمان بالله، والانخراط في مدارج السالكين، والسير القاصد إلى رب العالمين: قال الله تعالى {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}(النحل : 97).
وكما قال الشاعر:
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخرا وعند الله للأتقى مزيد

المقالات

