من أوجه الإعجاز مرونة الخطاب القرآني

0 0

يتميز القرآن الكريم ببلاغة رفيعة تتجلى في طريقة خطابه للناس، سواء أكان الخطاب للأمة جمعاء، أو لفئة مخصوصة، أو لشخص النبي ﷺ وحده، أو حتى لفرد بعينه. ومن أبرز وجوه هذه البلاغة ما يظهر في مرونة الخطاب القرآني؛ حيث تتعدد احتمالات المخاطب، ولكن قرائن السياق والمقام تحدد الجهة المقصودة على نحو جلي. وهذه الظاهرة أشار إليها المفسرون، كالزمخشري وابن عطية والقرطبي وابن عاشور، وعدوها من سمات إعجاز البيان القرآني.

أولا: الخطاب في آيات التشريع

من أوضح نماذج مرونة الخطاب القرآني قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا} (النساء:5). فالخطاب هنا موجه إلى أولياء السفهاء من أولاد أو نساء أو غيرهم. لكنه صيغ بصيغة عامة: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}، ما يعطي للنص شمولا يتجاوز حالة محدودة. فالقرينة هي قوله: {وارزقوهم فيها}؛ إذ يفهم أن الحديث موجه إلى من بيدهم المال، أي الأولياء، وليس إلى عامة الناس. وهنا يظهر دور السياق في تحديد المخاطب.

ومثل ذلك قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} (النساء:6). فالخطاب في ظاهره عام، لكن المقصود به الأولياء أيضا، بدليل ذكر {أموالهم}؛ إذ المال في يد الولي حتى يبلغ اليتيم.

ثانيا: الخطاب بين الزوجين والحكام

ومن الآيات الدالة على مرونة الخطاب القرآني ما جاء في شأن النكاح قوله عز وجل: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} (البقرة:229). هنا وقع الخلاف: هل الخطاب للأزواج؟ أم للحكام الذين يباشرون الفصل بين الزوجين؟

بين صاحب "الكشاف" أن القرينة اللغوية هي قوله سبحانه: {فإن خفتم ألا يقيما} ولو كان الخطاب للأزواج لقيل: (فإن خفتم ألا تقيموا). فدل ذلك على أن الخطاب متوجه إلى الحكام، لا إلى الأزواج. وهذه دقة بالغة في توجيه الضمائر، حيث يرفع السياق اللبس ويحدد المخاطب الحقيقي.

ثالثا: خطابات عامة، وخصوص التبليغ

من الأمثلة قوله تعالى: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمونوبشر المؤمنين} (الصف:11-13). فالخطاب في {تؤمنون} {وتجاهدون} للأمة جمعاء، لكن جملة {وبشر المؤمنين} لا يقوم بها إلا الرسول ﷺ، ومع ذلك، فإنها عطفت على الخطاب العام، باعتبار أن التبشير وظيفة الرسول التي تتوجه في حقيقتها للأمة كلها. وهنا نلمح اتساع دائرة الخطاب بحيث يشمل المخاطب الأول ومن ورائه الجماعة.

ومثلها قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} (التوبة:103). فالخطاب للنبي ﷺ مباشرة، لكنه في حقيقته يتوجه للأمة بوجوب إخراج الزكاة، والنبي ﷺ هو الوسيط في التنفيذ.

رابعا: خطاب يوجه إلى طرفين مختلفين

ومن الأمثلة أيضا قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} (البقرة:232). فالآية تبدأ بخطاب موجه إلى المطلقين (الأزواج): {وإذا طلقتم النساء}، ثم تنتقل إلى خطاب موجه إلى الأولياء أو العاضلين: {فلا تعضلوهن} (العضل: هو المنع). ورغم أن المخاطب تغير، ظل السياق متماسكا واحدا، يبين أن القرآن يستطيع أن يخاطب أكثر من طرف ضمن الآية نفسها دون اضطراب، أو التباس، اعتمادا على وضوح المقام.

ومن هذا القبيل قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكموإن كنتم جنبا فاطهروا} (المائدة:6). فالخطاب للأمة عامة، لكن التطبيق يخص المصلين في حال القيام للصلاة، أو في حال الحدث.

خامسا: خطاب واحد يتوجه إلى فريقين

ونحو ما تقدم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} (البقرة:183). فالخطاب في الآية للأمة، لكنه يتضمن تذكيرا بسنة الأمم السابقة، وكأن الخطاب مشترك بين الماضي والحاضر؛ ليبين وحدة الشرائع في أصولها.

ومن هذه البابة أيضا قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} (الجمعة:9). فالخطاب عام، لكنه متوجه في الحقيقة إلى الذكور المكلفين بصلاة الجمعة دون الإناث، وهو تخصيص يفهم من السنة.

سادسا: الخطاب للنبي ومعه الأمة

ومن أبدع صور مرونة الخطاب القرآني قوله عز من قائل: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} (الطلاق:1). فخاطب سبحانه النبي ﷺ بلفظ {يا أيها النبي}، ثم جاء الفعل {طلقتم} بالجمع، ليدخل في الخطاب الأمة كلها. وهذه صياغة تجمع بين تكريم الرسول ﷺ بالتوجيه، وبين شمول الحكم للأمة.

ونحوه قوله عز وجل: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك…} (الممتحنة:12). فالخطاب للنبي ﷺ، لكن البيعة في حقيقتها موجهة للمؤمنات، فهي إذن خطاب مزدوج: للرسول من حيث الإشراف، وللمبايعات من حيث الالتزام.

سر البلاغة في مرونة الخطاب القرآني

هذه الأمثلة ونحوها تكشف عن سر بلاغي في القرآن: أنه يخاطب المخاطب الظاهر والمخاطب الضمني معا. فالسياق يوضح، والقرائن تبين، والتوجيه يظل محكما لا يعتريه اضطراب. ولذلك قال الزمخشري: "ونحو ذلك غير عزيز في القرآن" أي: أن هذه الظاهرة تتكرر كثيرا، ما يدل على أنها أسلوب بياني مقصود، وليس مجرد استثناء أو تفصيل عرضي. وقال ابن عاشور في هذا الصدد: "وهذا شأن خطابات القرآن في التشريع".

أثر ذلك في فهم النص القرآني

إن إدراك هذه الخاصية البلاغية يجنب المفسر إسقاط الحكم على غير وجهه، ويغني الفهم للنص القرآني، ويبرز إعجازه في قدرته على مخاطبة الأفراد والجماعات، الحاضر والغائب، الرجال والنساء، الحكام والمحكومين، في آن واحد، دون لبس أو اضطراب. وهذه المرونة في الخطاب القرآني من أعظم دلائل بقاء القرآن نصا حيا يخاطب العقول في كل زمان، ويتجه إلى القلوب في كل مكان.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة