- اسم الكاتب:اسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
عباد الله: لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من أن تسلك سبيل من كان قبلها من الأمم في الوقوع في الشرك والغلو في الصالحين، فقال في الصحيحين: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟). ولقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فظهر في الأمة من يعظم القبور ويبني عليها المساجد والمشاهد، ويصرف لها الدعاء والنذر والرجاء، حتى عبدت القبور من دون الله أو كادت، واستغيث بأصحابها، وطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله. تعالى
أيها المسلمون: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على حماية جناب التوحيد، حتى في أشد لحظات مرضه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها وقال: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قالت عائشة : يحذر ما صنعوا. رواه البخاري ومسلم.
فكان صلى الله عليه وسلم حريصا كل الحرص على أن يغلق كل باب يؤدي إلى الشرك ويسد كل ذريعة قد تفضي إلى الإخلال بالتوحيد، خشية أن يتخذ قبره موضع عبادة، ولذلك دعا فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) . فاستجاب الله له، فدفن في بيته، ولم يبرز قبره للناس، صيانة للتوحيد. قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد،
وقد روى الأئمة عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)؛ أي: لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى، فيؤدي ذلك إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام؛ فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك؛ فقال: (للهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه مالك في الموطأ.
وفي الصحيح أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) . قال ابن عبد البر: "هذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد".
أيها المسلمون: لقد حمى الله تعالى قبر نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يتخذ مسجدا، وأجاب دعوته؛ فلما مات عمل الصحابة بوصيته؛ فلم يبرزوا قبره، بل دفنوه في بيته؛ خشية أن يتخذ قبره مسجدا فيؤدي ذلك إلى عبادته من دون الله، والأنبياء يدفنون حيث يموتون، وهذا من عناية الصحابة بمقام التوحيد. والهدي النبوي القويم، والشرع الحكيم، ينهى نهيا صريحا عن البناء على القبور، ويأمر بتسويتها بالأرض، حتى لا تتخذ معابد تعبد من دون الله، ولا تكون وسيلة إلى الغلو والشرك. فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته)؛ رواه مسلم.
وقد قرر أهل العلم مشروعية هدم البناء على القبور، قال الشافعي: "وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها، فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك". وقال ابن حجر الهيتمي: "وتجب المبادرة لهدم القباب التي هي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر". ولا بد من العلم أنه ينبغي توخي الحكمة ومراعاة قواعد المصالح والمفاسد عند العزم على هدم شيء من هذه القباب التي وضعت على القبور.
عباد الله: إن اتخاذ القبور مواضع للعبادة له صور كثيرة ومتنوعة؛ منها: بناء القباب والمشاهد عليها، وإقامة الصلاة عندها أو إليها، بل وأشد من ذلك أن يصرف لأصحابها شيء من أنواع العبادة التي لا تصرف إلا لله تعالى؛ من دعاء واستغاثة وطواف وسجود ونذر وطلب للمدد وتفريج للكربات، وهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة. كما يدخل في النهي أيضا كل ما يكون ذريعة إلى الغلو فيها؛ كزخرفة القبور، وتزيينها وتجصيصها، ووضع الأغطية والستور عليها، والكتابة فوقها، أو تعليق الصور والأنوار حولها، فكل ذلك مما يفضي إلى تعظيم القبور، وعبادة أصحابها من دون الله. ولم يعرف في القرون المفضلة ــ قرون الصحابة والتابعين وتابعيهم ــ أن أحدا بنى مشهدا أو ضريحا على قبر من القبور، بل كان القبر يدفن كما هو، بلا بناء ولا زينة ولا مظهر من مظاهر التعظيم.
عباد الله: والقول بجواز بناء المساجد والمشاهد على القبور، أو الصلاة فيها، قول باطل لا أصل له، وهو رأي أهل البدع والضلال، المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة. ومن مظاهر غربة الإسلام في هذا الزمان أن بعض المتأخرين قد وقعوا في هذه الممارسات، وظنوها من القرب التي يتقرب بها إلى الله، وهي في حقيقتها من أعظم المنكرات، ومصادمة لهدي الشريعة، ورد صريح لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك، وأخبر أنهم من شرار الخلق عند الله يوم القيامة. فليحذر المؤمن الموحد من هذه البدع أشد الحذر، وليجتنبها غاية الاجتناب، محافظة على صفاء توحيده، وتمسكا بما كان عليه هدي نبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
أيها المسلمون: إن زيارة القبور في الإسلام مشروعة للاعتبار والاتعاظ، وتذكر الموت والآخرة، والإحسان إلى الأموات، بالسلام عليهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وسؤال العافية لهم.
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. فاتقوا الله عباد الله، واعبدوه حق عبادته، وأخلصوا له الدين، ولا تجعلوا معه شريكا في محبتكم ولا في رجائكم ولا في دعائكم. واحذروا مداخل الشرك وطرقه الخفية، وكونوا على حذر من وساوسه ومداخله؛ فإن أعظم ما يحفظ به الإيمان تحقيق التوحيد الخالص لله جل وعلا.
واعلموا أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله، وأن راية التوحيد خفاقة لا تنكسر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) رواه البخاري ومسلم.
هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال وهو الصادق في قيله:{ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

