- اسم الكاتب:اسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، فالعاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.
أيها المؤمنون: قال الله تعالى في محكم كتابه: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا} [مريم:51]. ذكر الله قصة موسى مع فرعون في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وقصة هذا النبي الكريم -عليه وعلى نبينا أتم الصلاة والتسليم- مع فرعون الطاغية العنيد تتكرر وتبرز في كل زمان ومكان، وفي كل وقت وحين، لأنها تصور حقيقة واقعة، إنها تصور الصراع بين الحق والباطل، إنها تصور الصراع بين أولياء الرحمن وجند الشيطان منذ فجر الوجود وميلاد البشرية. ولد موسى عليه السلام في عهد الطاغية الأكبر فرعون الذي ادعى الربوبية وأعلن التمرد والعصيان، وزعم أن لا إله ولا رب سواه، وذاق بنو إسرائيل من أذى فرعون ومن شره ما لم يذوقوه من قبل ولا من بعد {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص:4]. لقد رأى فرعون في منامه رؤيا أفزعته، فاهتم لها واغتم بها، رأى نارا قد أقبلت من بيت المقدس حتى وصلت إلى بلاد مصر وأحاطت بدورها وبيوتها، فأحرقتها وأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل دون أذى، فدعا فرعون الكهنة والسحرة والمنجمين، وسألهم عن هذه الرؤيا، فعبروها قائلين: إنه سيولد في بني إسرائيل غلام يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، ويكون ذهاب ملكك يا فرعون على يديه، وسيخرجك وقومك من بلدك، ويبدل دينك، وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه؛ عند ذلك طار صواب فرعون، وجن جنونه، فأمر بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، أما الإناث فلم يأمر بقتلهن، بل أمر بتركهن لأجل الخدمة والتسخير؛ {يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم}.
وفي أثناء شدة هذا العذاب ولد موسى عليه السلام، كانت ولادته خطبا أليما بالنسبة لأمه، ولما قرب وقت الوضع، وبدأت آلام المخاض، حزنت أمه حزنا شديدا، واشتد همها وغمها، وأوحى الله إليها إلهاما ألا تخاف ولا تحزن، لما سبق في علم الله أن هذا المولود سيكون له شأن عظيم، فولدته أمه خفية عن القابلات، وقذف الله في قلبها السكينة، وأمرها أن ترضعه حتى إذا خافت عليه فلتصنع له تابوتا من الخشب، ثم تضعه فيه، وتربط التابوت بحبل لئلا تذهب به الأمواج، ثم تلقيه في البحر، وفعلت ذلك ثقة بوعد الله : {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} [القصص:7]. وفي ذات يوم انفلت رباط التابوت، فذهب الماء بالتابوت، وفيه الوليد الرضيع، ذهبت الأمواج بالتابوت إلى من هو أشد الناس بغضا لبني إسرائيل، وأشدهم كراهية لأبنائهم، ذهب التابوت بموسى إلى بيت فرعون في ساعة كان الجواري يغتسلن ويستقين فيها، فأبصرن هذا التابوت، فأخذنه من الماء، وظنن أن فيه مالا، فحملنه على عادتهن، وذهبن به إلى سيدتهن آسية زوجة فرعون، فلما فتحت التابوت، وجدت فيه هذا الغلام، فلما رأته، ألقى الله محبته في قلبها. فلما جاء فرعون ورأى الغلام طار عقله وأراد قتله، وطلب الذباحين ليذبحوه، فالتمست آسية زوج فرعون منه أن يتركه لها، لأنها لا تلد: {وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} [القصص:9] فقال لها فرعون: بل هو قرت عين لك أنت، أما أنا فلا حاجة لي فيه.
أيها المسلمون: من هنا بدأت حياة موسى في بيت فرعون عند آسية، فاجتهدت آسية في البحث له عن مرضعة لهذا الطفل، لكن الوليد الرضيع يأبى المراضع، ولا يقبل ثدي واحدة منهن حتى اشتد به الجوع، واشتد به البكاء، وهو لا يقبل ثديا. وما زالت آسية زوجة فرعون تبحث له عن مرضع حتى رأته أخت موسى، وقد كانت ترقبه من بعيد، فجاءت إلى آسية امرأة فرعون، وعرضت عليها أن تأتي بامرأة مرضعة أمينة ناصحة تتعهد بهذا الرضيع، وتعتني به مقابل أجرة لها، فقالت لها امرأة فرعون: ائتيني بها، فإن قبل ثديها أكرمتها بأي مال أرادت، فانطلقت أخت الرضيع إلى أمه، وأخبرتها الخبر، فلما رأت ولدها كادت أن تبدي به، أي: كادت أن تقول: هذا ولدي، لولا أن ثبتها الله حتى لا يشعر آل فرعون بأنها أمه، فلما وضعته في حجرها، التقم ثديها، وأخذ يرضع حتى ارتوى وملأ جنبيه؛ ففرحت آسية فرحا عظيما، وطلبت من أم موسى -وهي لا تعلم أنها أمه- أن تمكث في القصر عندها لترضع هذا الغلام، ووعدتها بأن تعطيها أنواع المال والهدايا، وأن تكرمها بأنواع الإكرام، فأظهرت أم موسى العفة، وقالت: إن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي، وأتعهده بالعطف والرعاية كما أتعهد ولدي، وأنا لا أستطيع أن أدع بيتي وأولادي من أجل هذا الغلام، فرضيت آسية أن تدفعه إليها على أن تأتي به في كل فترة لتراه وترضعه عندها. يقول تعالى في ذلك: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين * وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون * وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون * فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون} [القصص:13].
عباد الله: شب موسى وترعرع في بيت فرعون معززا ومكرما، حتى إذا دخل المدينة ذات يوم على حين غفلة في أهلها وجد فيها رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته أي: من بني إسرائيل، والآخر من عدوه أي: من القبط، فاستغاثه الذي من شيعته على القبطي، فضربه موسى، فمات القبطي من فوره. ثم أصبح موسى خائفا يترقب، فجاءه رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، فأخبر موسى الخبر، وأمره أن يخرج من أرض مصر، لأن القوم يبحثون عنه، ويريدون قتله، فخرج موسى وتوجه إلى أرض مدين، ودعا ربه أن ينجيه من القوم الظالمين. وفي أرض مدين أقام موسى، وتزوج بابنة الرجل الصالح، ورعى له الغنم فيها عشر سنين، وبعد ذلك حن قلب موسى إلى أرض مصر، وفي طريقه إليها في ليلة مظلمة باردة تاه موسى عن الطريق: {فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [طـه:10-14] وهكذا نبئ موسى وكلمه ربه، وتوجه إلى فرعون بأمر ربه {اذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى * فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى * فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} [النازعات:17-25].
أيها المسلمون: اشتد الأمر بين موسى وفرعون، وتمادى فرعون في طغيانه وعناده، وأراد أن يكذب بنبوة موسى، وقال: إن هو إلا ساحر جاء بأخيه معه، وجمع فرعون السحرة أجمعين، وأراد بذلك أن يضل الناس عن النبوءة والدعوة، ولكن الله جل وعلا رد كيده وأبطل سحره: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طـه:69]. وبعد مضي هذه المدة وموسى يدعو فرعون ويخاطبه بخطاب لين، ويدعوه بدعوة وموعظة رقيقة إلا أنه لم يستجب، حتى إذا ما اشتد الأمر وصل بينهم إلى القتل والقتال، لما رأى فشل سحرته وضعف حجته، لم يجد إلا أسلوب الجبابرة والطواغيت المعاندين، أسلوب القتل والتشريد والمطاردة والإبعاد {فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون} [الشعراء:61] لما ذهبوا ولم يبق من أمامهم إلا البحر، وفرعون وقومه من خلفهم {قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} [الشعراء:61-63] وعبر عليه موسى ومن معه من بني إسرائيل {وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين} [الشعراء:64-66] وحين رأى فرعون ومن معه أن البحر أصبح يبسا، وعبر منه موسى ومن معه لحقوا بهم يريدون أن يعبروا، والكون ونواميسه وسننه بيد الله جل وعلا، حين يريد الله أن يغيرها، وأن يبدلها، وأن يعكس قانونها ونظامها لأوليائه وأنبيائه وأصفيائه فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. فلما عبر موسى ومن معه، عاد البحر كما كان أمواجا تتلاطم، ومياه تغرق من عليها، ثم أدرك فرعون الغرق: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} [يونس:90] ليس ينفعك الإيمان في هذه اللحظة، ولا ينفعك قولك في هذه اللحظة وأنت من المفسدين الضالين المتجبرين المعاندين. وكان اليوم الذي نجى الله فيه موسى وأعوانه وجنده، وأهلك الله فيه فرعون ومن معه، هو يوم عاشوراء، روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسراءيل من عدوهم فصامه موسى ـــ عند مسلم شكرا – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. اتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
معاشر المؤمنين: حين نتأمل هذه القصة العظيمة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في مواضع متعددة من كتابه الكريم، نجد فيها جملة لا تعد ولا تحصى من الدروس والمواعظ والآيات، ولو لم يأت فيها إلا البشارة للدعاة المخلصين لكفى بها موعظة وعبرة، فالله سبحانه وتعالى ينصرهم مهما أظلم الليل، ومهما ادلهمت الخطوب، ومهما تكالبت قوى الطغيان {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر:51]. إنها لبشارة لجميع المسلمين في كل مكان، إنها لبشارة لأولياء الله من المؤمنين الصادقين الذين يلقون ألوان الأسى والعذاب بأن فرج الله قريب وانتصاره آت لا محالة، والله ولي المؤمنين.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.

المقالات

