الشوق إلى الجنة

0 0

الخطبة الأولى: 

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده على نعمه الظاهرة والباطنة، ونشكره على آلائه المتتابعة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فهي زاد المسافر، ونور الطريق، وسر الفلاح في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب). (يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ‌ٱلله ‌حق تقاتهۦ ولا تموتن إلا وأنتم مسۡلمون) [آل عمران: 102]. (يٓأيها ٱلناس ٱتقوا ربكم ٱلذي خلقكم من نفۡسٖ وحدةٖ وخلق منۡها زوۡجها وبث منۡهما رجالٗا كثيرٗا ونسآءٗۚ وٱتقوا ٱلله ٱلذي تسآءلون بهۦ وٱلۡأرۡحامۚ إن ٱلله كان عليۡكمۡ رقيبٗا) [النساء: 1]. (يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله وقولوا قوۡلٗا سديدٗا (70) ‌يصۡلحۡ ‌لكمۡ أعۡملكمۡ ويغۡفرۡ لكمۡ ذنوبكمۡۗ ومن يطع ٱلله ورسولهۥ فقدۡ فاز فوۡزا عظيما) [الأحزاب: 70-71].

أما بعد؛
عباد الله: يشكو كثير من الناس اليوم من قسوة في قلوبهم، وجفاف في أرواحهم، ولعل السبب ـ عباد الله ـ أن القلب انشغل عن غايته الكبرى، وغفل عن المقصد الأعظم: عن الجنة، عن اللقاء المنتظر، عن الشوق إلى وجه الله الكريم. إن الله تعالى لم يصف لنا جنته ولا ناره في كتابه عبثا، بل ليوقظ في قلوب عباده مشاعر الرغبة والرهبة، والخوف والرجاء، وليتعبدوا له حبا وشوقا وطمعا في رضاه.
 
أيها المسلمون: إن الجنة ليست مجرد نعيم محسوس، بل هي راحة الأرواح، وسكن القلوب، وطمأنينة النفوس، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال الله تعالى: (وفيها ما تشۡتهيه ٱلۡأنفس وتلذ ٱلۡأعۡينۖ وأنتمۡ فيها خلدون) [الزخرف: 71]. (فلا تعۡلم نفۡسٞ مآ أخۡفي لهم من قرة أعۡينٖ جزآءۢ بما كانوا يعۡملون) [السجدة: 17]. في الجنة أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى. (مثل ٱلۡجنة ٱلتي وعد ٱلۡمتقونۖ فيهآ أنۡهرٞ من مآء غيۡر ءاسنٖ وأنۡهرٞ من لبنٖ لمۡ يتغيرۡ طعۡمهۥ وأنۡهرٞ منۡ خمۡرٖ لذةٖ للشربين وأنۡهرٞ منۡ عسلٖ مصفٗىۖ ولهمۡ فيها من كل ٱلثمرت ومغۡفرةٞ من ربهمۡۖ) [محمد: 15]. في الجنة - عباد الله- قصور من ذهب وفضة، ومساكن من لؤلؤ وجواهر، وسرر مرفوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة. (جنت عدۡنٖ يدۡخلونها يحلوۡن فيها منۡ أساور من ذهبٖ ولؤۡلؤٗاۖ ولباسهمۡ فيها حريرٞ) [فاطر: 33]. وفي الجنة عباد الله الحور العين، قاصرات الطرف، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، كأنهن الياقوت والمرجان. قال تعالى: (فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * كأنهن الياقوت والمرجان * فبأي آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن:56-59]. أي: زوجات حسناوات، غناؤهن:
نحن الخالدات فلا يمتن
نحن الناعمات فلا يبأسن
نحن المقيمات فلا يضعن
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، ارتفاعها في السماء ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم ولا يرى بعضهم بعضا.
تأملوا يا عباد الله: إذا كانت شجرة من أشجار الجنة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، فكيف ببساتينها ونعيمها وقصورها؟ تأملوا طعامها وشرابها، قال صلى الله عليه وسلم: لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرف له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم
 
عباد الله: الدنيا دار فناء، فيها الهم والمرض والضيق، أما الجنة فهي دار الأمن والنعيم والرضا، لا نصب فيها ولا لغو ولا كذب، قال تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا * جزاء من ربك عطاء حسابا).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون: أعظم نعيم في الجنة رؤية وجه الله عز وجل، تلك الرؤية التي هي أسمى ما يناله المؤمن بعد النعيم كله. قال الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة). إنها لحظة لا تقدر بثمن، حين ينظر المؤمن إلى وجه الله الكريم، فينسى كل ألم مضى، وكل تعب ذاقه، ويذوب قلبه فرحا وسرورا، قال صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته. ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.
عباد الله: من أراد تلك اللذة فليجتهد في الصالحات، وليطهر قلبه من الشهوات والشبهات، وليزهد في دنيا زائلة، وليربط قلبه بالآخرة. قال تعالى: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز). واعلموا -عباد الله- أن الفوز بالجنة لا يكون بالتمني، وإنما بالإيمان الصادق والعمل الصالح، وبالصبر على طاعة الله، والبعد عن معصيته، قال تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون). فاعملوا لجنة وعدها الله عباده الصالحين، واسعوا لرضوانه، واشتاقوا إلى لقائه، فإن الدنيا ظل زائل، والآخرة نعيم مقيم.  
وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).  

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة