الإسراء والمعراج دروس وعبر

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)..
أما بعد: أيها المسلمون:

حديثنا اليوم عن ليلة ليست كسائر الليالي، وسفر لم يعرف له التاريخ مثيلا، ورحلة تخطت حدود الحس والعقل، وفتحت لها أبواب السماوات، وتهيأت لها الملائكة، واصطفى الله لها أحب خلقه إليه، فسار به من مكة إلى القدس، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا، حتى بلغ سدرة المنتهى، ثم عاد إلى بيته في ليلة واحدة!
إنها ليست خيالا ولا أسطورة، بل هي الحقيقة والمعجزة التي ذكرها القرآن الكريم، وأثبتتها السنة النبوية الصحيحة، إنها رحلة الإسراء والمعراج، المعجزة الكبرى التي أكرم الله بها نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، فأظهر بها مكانته، وبين بها منزلته، وأراه فيها من آياته الكبرى..

والمقصود بالإسراء، تلك الرحلة المباركة العجيبة التي تجاوزت مألوف العقول وقوانين البشر، حين أسرى الله تعالى بعبده المصطفى صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، وقد ذكر الله تعالى الإسراء صراحة في أول آية من سورة الإسراء فقال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}(الإسراء:1)،
وأما المعراج، فهو الرحلة السماوية التي ارتقى فيها نبينا صلى الله عليه وسلم من عالم الأرض إلى عالم السماء، حتى بلغ سدرة المنتهى، ثم عاد بعد ذلك إلى المسجد الحرام، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الرحلة بقوله: {أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى}(النجم 18:12).
وقد تعددت روايات الإسراء والمعراج في الأحاديث النبوية الصحيحة، وليس هناك حديث واحد يجمع ما ورد من أحداث ومواقف هذه الرحلة المباركة، وإنما هناك أحاديث كل منها يشير إلى جزء أو جانب منها، وقد عد العلماء ستة وعشرين صحابيا وصحابية رووا حديث الإسراء والمعراج، لذا فهو حديث متواتر مع نص القرآن عليه في سورتي الإسراء والنجم، ولو لم يكن في ذلك إلا اتفاق صاحبي الصحيحين ـ البخاري ومسلم ـ على إخراجها، لكفى بها توثيقا، فكيف وقد أخرجها غيرهما، وذكرتها كتب السير والتفاسير بأسانيد صحيحة مشهورة؟

عباد الله:
الإسراء والمعراج معجزة من أعظم معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد حارت فيها بعض العقول قديما وحديثا، فزعم بعضهم أنها كانت بالروح فقط، أو أنها رؤيا منام، لكن الحق الذي عليه جمهور العلماء، سلفا وخلفا، أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة، وفي اليقظة، بجسده وروحه صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يدل عليه قول الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده}(الإسراء:1)، فالله تعالى قال {بعبده}، والعبد هو مجموع الجسد والروح، لا الروح وحدها كما قال علماء التفسير..
ولو كانت رحلة الإسراء والمعراج بالروح فقط أو رؤيا منام، لما كانت فيها معجزة، فكثير من الناس يرى في منامه أنه سافر، وطاف بالكعبة، وسعى بين الصفا والمروة، ولا ينكر أحد عليه ذلك، فلو كان ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك، لما استحق أن يكون معجزة خارقة، ولما كذبه المشركون أو استنكروا خبره.

وقد روى أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من رحلته المباركة، جلس في صبيحة اليوم التالي في المسجد الحرام، فمر به عدو الله أبو جهل وقال مستهزئا: يا محمد، هل كان من شيء جديد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال أبو جهل متعجبا ومتهكما: وأصبحت بيننا؟! قال: نعم، فقال أبو جهل ماكرا: أرأيت إن دعوت لك الناس، أتحدثهم بما حدثتني؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم..
فجمع أبو جهل الناس من كل مكان في مكة، حتى اجتمعوا حول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: يا ابن أخي، حدث القوم بما حدثتني به، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جرى له في رحلته العظيمة، فصار القوم بين مصفق ومصفر، وواضع كفيه على رأسه، يتعجبون من هذا الأمر الذي لا يصدق في عقولهم، ثم قال أحدهم: يا محمد، إن كنت ذهبت إلى بيت المقدس، فصفه لنا؟!!
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه) رواه البخاري، فقال القوم بعد أن سمعوا وصفه: أما الوصف فقد أصاب والله"..

والإسراء والمعراج كما قال علماء أهل السنة ـ قديما وحديثا ـ كانا بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه في حال اليقظة، لا في المنام، ولا يمتنع ذلك على الله عز وجل القادر على كل شيء، الفعال لما يريد، الذي أمره بين الكاف والنون، إذا أراد شيئا قال له: "كن فيكون".. ولو كان الإسراء والمعراج بالروح فقط أو كان مناما، لما كان فيه معجزة، ولما أنكرت قريش خبره، ولا استبعدته..
وقد انتشر خبر إسراء ومعراج النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، حتى بلغ أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقالوا له: (صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوه أو روحه، فلذلك سمي أبو بكر الصديق) رواه الحاكم. وهكذا ينبغي أن يكون حالنا، نسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، ونصدقه فيما قال، وإن خالف عقولنا وأهواءنا، ونسير على نهجه، متمسكين بسنته، عاملين بطاعته، ففي تصديقه واتباعه نجاتنا وسعادتنا..

أما تفاصيل هذه المعجزة وهذه الرحلة باختصار مما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد ، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل ، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية..)، وهكذا سماء بعد سماء، حتى انتهيا إلى السماء السابعة، فلقيا في السماء الأولى آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم ـ عليهم جميعا الصلاة والسلام ـ، ولقي في كل سماء من الترحيب ما تقر به عينه وهو لذلك أهل..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية 
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد: معاشر المؤمنين:

رحلة الإسراء والمعراج من المعجزات العظيمة التي أيد بها الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وأصعده مع جبريل إلى السماوات العلى حتى إنه أراه الجنة والنار ومشاهد لبعض وصفات من يدخلهما، فرأى صلى الله عليه وسلم نهر الكوثر الذي خصه الله وأكرمه به..
واطلع على أحوال بعض المعذبين في النار، منهم من يغتاب الناس ويأكل لحومهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون (يخدشون ويمزقون بأظفارهم) وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) رواه أبو داود.
كما رأى أقواما تقرص ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار، فقال: (مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت عادت، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: خطباء من أمتك، يقولون ما لا يفعلون) رواه أحمد.
ورأى كذلك أكلة الربا وهم يعذبون في نهر من الدم، فقال: (رأيت ليلة أسري بي رجلا يسبح في نهر ويلقم الحجارة ، فسألت ما هذا؟ فقيل لي آكل الربا) رواه أحمد.

ومن خلال معجزة الإسراء والمعراج المباركة تأكدت أهمية الصلاة ومنزلتها في الإسلام، فللصلاة منزلتها العظيمة، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، ومما زادها فضلا أن الله فرضها في ليلة الإسراء والمعراج في السماء السابعة على رسوله صلى الله عليه وسلم مباشرة ودون واسطة، وفي هذا اعتناء بها، وزيادة تشريف لها، وقد أكد وشدد النبي صلى الله عليه وسلم في المحافظة عليها، وأمر بالقيام بها في السفر والحضر، والأمن والخوف، والصحة والمرض، ولأهميتها كان يكثر من وصيته وأمره بها، وكانت من أواخر وصاياه لأمته قبل موته..

وختاما، عباد الله: الإسراء والمعراج لم تكن حادثا عاديا، بل معجزة عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم، ورحلة فريدة لم يسبق لبشر أن قام بها، تحمل دروسا عظيمة وتدعونا إلى المحافظة على الصلاة، والابتعاد عن الغيبة والنميمة وآفات اللسان، والحذر من الربا، والتزود بالتقوى والاستقامة..
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة