- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:محاسن الأخلاق
قيام الليل مدرسة عظيمة للتربية وللإيمان ولمحبة الرحمن، وقد ورد في الحث عليه وبيان فضائله ومنافعه آيات كثيرة من كتاب الله، وأحاديث وفيرة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما ذكره أهل العلم وأهل العبادة من لذة النفس وراحة القلب.
وقد حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد)رواه الترمذي.
الاستغفار بالأسحار
وأفضل أوقات الليل الأسحار، وهي جمع سحر، وهو آخر الليل قبيل الصبح.. وقيل: هو ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر، وهو وقت التنزل الإلهي، والتجلي الرباني على عباده، حيث (ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)(رواه الجماعة).
فأين أصحاب الحاجات، أين المرضى؟ أين المضطرون؟ أين التائبون؟ أين أصحاب الهموم والآلام والمشاكل والأحزان؟ نعم.. أين هم عن ثلث الليل الأخير؟ أين هم عن التضرع في الأسحار؟
والأسحار.. وقت سكون الليل وخلو البال، وصفاء النفس، وسمو الروح، وهدوء الصوت، فلا تسمع إلا همسات المحبين، وأزيز الخاشعين، وأنين التائبين، وآهات المذنبين، فيجتمع على العبد قلبه فيكون أدعى للفهم والتأثر {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} [المزمل: 6].
وأقرب ما يكون العبد من ربه في السحر آخر الليل كما في حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)أخرجه الترمذي..
ولهذا كان من صفات المتقين أهل الجنة استعمال هذا الوقت الذي هو أفضل الأوقات في الاستغفار الذي هو من أفضل الأعمال كما قال الله عنهم {إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون}(الذريات:15 - 18). وقال أيضا: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد * الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار)(آل عمران: 14 - 17).
جاء في تفسير ابن كثير -رحمه الله- عند قول الله تعالى: {والمستغفرين بالأسحار} قال: "دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب، عليه السلام، لما قال لبنيه: {سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف:98] أنه أخرهم إلى وقت السحر. وثبت في الصحيحين وغيرهما، من غير وجه عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الحديث.. وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء، والاستغفار حتى يصبح. رواه ابن أبي حاتم. وعن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر، فاغفر لي. فنظرت فإذا ابن مسعود، رضي الله عنه".اهـ.
وإنما كان للاستغفار بالأسحار هذه الفضيلة؛ لأن الذنوب هي أصل كل مصيبة، وسبب كل بلية، ومصدر كل بلاء وفتنة، {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}[الشورى:30]، وهي سبب كل فساد في البر والبحر {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}[الروم:41].
والمعاصي والخطايا، توجب الحرمان وتعقب الخذلان، وتزيل النعم، وتحل النقم.. ولا يعرف برد المغفرة إلا من اكتوى بنار المعصية، فمن عرف شؤم الذنوب عرف قيمة الاستغفار، فبه تغفر الزلات، وتكفر السيئات، وتمحى الخطيئات؛ فالاستغفار نعمة من الغفار من راوح عليها وجد أثرها في نفسه وماله وولده، وجميع شأنه.
قال الفضيل: "لم أجد غذاء ولا دواء خيرا من الاستغفار، حتى في الأرق، إن استغفرت قال الشيطان لأدعنه ينام خير لي من استغفاره".
وقال ابن كثير: "من اتصف بصفة الاستغفار يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره، وحفظ عليه شأنه وقوته. إن كان ضعيفا قوي، أو مريضا شفي، أو مبتلى عوفي، أو محتارا هدي.
والاستغفار أخرج يونس من ظلمات البحر ومن ظلمة بطن الحوت، ألا يخرجك من ظلمات الهم والغم.
وفي الحديث: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب).
ثم إن السحر هو وقت الصفاء، وفتح أبواب السماء، واستجابة الدعاء، والقرب من الله.. وهو وقت نزول الرحمة وحضور الملائكة، فكان أنسب الأوقات لرفع الحاجات وتقبل الدعوات.
قال ابن رجب: "من عجز عن مشاركة المحبين بالجري معهم في ذلك المضمار، فلا أقل من مشاركة المذنبين في الاستغفار".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا ناجى العبد ربه في السحر، واستغاث به، وقال يا حي يا قيوم.. أعطاه الله من التمكين ما لا يعلمه إلا الله".
قال ابن رجب: "ليس بعاقل من له حاجة عند ربه وينام وقت السحر". فكم في السحر من حاجات تقضى وذنوب تمحى..
قال أبو الزناد: "كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فلا أمر ببيت إلا وفيه قارئ"..
فمن أدام الحمد تتابعت عليه الخيرات، ومن أدام الاستغفار فتحت له الأبواب المقفلة. ولو علم أهل الحاجات ما في الاستغفار؛ لضج سكون الليل بالأسحار.
فاللهم اجعلنا من القائمين الأبرار، ومن المستغفرين بالأسحار.

المقالات

