- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)..
أما بعد: أيها المسلمون:
المسؤولية، أمانة وواجب، وعدل ووفاء، عظيمة القدر، جليلة الخطر، فهي مفتاح بناء الأفراد والمجتمعات، وما أعظم آثارها في الدنيا والآخرة عند القيام بحقوقها، فبها تصان الحقوق، وتحفظ الأمانات، وتقوم السلوكيات، وتسعد المجتمعات، ولا شك أن من أهم أسباب الإصلاح للفرد والمجتمع أن يستشعر كل إنسان مسؤوليته، ويؤدي واجبه كما أمره الله سبحانه وتعالى، مراقبا ربه في السر والعلن..
والمتأمل في واقعنا اليوم ـ عباد الله ـ يرى مظاهر اللامبالاة والتقصير قد أحاطت بكثير من الناس، رغم وفرة الإمكانات، وتعدد الوسائل الحديثة، وتيسر سبل الإنجاز والعمل.. ومع ذلك، يقصر البعض في أداء مسؤولياتهم تجاه أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم، بل وتجاه أمتهم ودينهم. أما المسلم الحق، فيعرف ما كلف به من أمانة، ويقوم بها حق القيام، لأنه يعلم أن استشعار المسؤولية هو مفتاح الأمان، وباب الطمأنينة، وطريق السعادة في الدنيا والآخرة. وهنا بيت القصيد في حديثنا اليوم: إنها قضية المسؤولية!
ما أحسن أن يستشعر الإنسان مسؤوليته تجاه خالقه، ونفسه، ومجتمعه، ووطنه! فالمسؤولية ليست شعارا يرفع، ولا مغنما يطلب، بل هي حياة تعاش، وسلوك يترجم، وامتحان دائم يظهر صدق الإيمان، وحرارة الضمير، وعمق الشعور بالتبعات، إنها عنوان اليقظة الإيمانية، ودليل النضج العقلي، وعلامة صفاء القلب وحياة الروح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى العظيم في الحديث الجامع : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) رواه البخاري. فالمسؤولية في الإسلام تعني أن المسلم محاسب على كل ما جعله الله تحت سلطانه أو قدرته أو تصرفه، بأي وجه من الوجوه، سواء أكانت مسؤولية فردية شخصية، أم مسؤولية جماعية تتعلق بغيره..
عباد الله: المسؤولية الفردية، هي مسؤولية الإنسان عن نفسه وجوارحه، عن روحه وعقله، عن علمه وعمله، وعباداته ومعاملاته، وعن عمره وشبابه كيف قضاه، وعن ماله كيف اكتسبه وأنفقه كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن عمره؛ فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه، فيم أبلاه؟) رواه الترمذي.
بل إن المسلم مسؤول عن قلبه، ألا يحمل غلا ولا حقدا ولا حسدا، ومسؤول عن جوارحه كلها، فلا تنظر عينه إلا إلى ما أحل الله، ولا تمتد يده إلا في طاعة الله، ولا تسير قدمه إلا فيما يرضي الله، ولا يدخل بطنه إلا ما أحل الله، ولا يخوض بلسانه في أعراض الناس، ولا يشيع الشائعات والأباطيل، قال الله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}(الإسراء: 36)..
فالمسؤولية أمانة وتكليف، وحمل ثقيل لا مجال فيه للتهاون أو التراخي، وهي التي ترفع صاحبها إن أداها بإخلاص وعدل، وتخفضه إن خانها أو قصر فيها، وهي مسؤولية في الدنيا يحاسب عليها العبد في الآخرة، يوم لا ينفع مال ولا بنون..
وإذا كانت المسؤولية الفردية واجبا على كل إنسان في نفسه، فإن المسؤولية الجماعية أوسع دائرة وأعظم أثرا، فهي أمانة تتعلق بالمجتمع كله، في الوظائف والمناصب، وفي الأموال والممتلكات والمرافق العامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة) رواه البخاري.
فالمسؤوليات العامة ليست مغنما يتنافس عليه، ولا جاها يطلب، بل هي عبء ثقيل وأمانة عظيمة، لا تؤدى حقها إلا بتولية الأكفاء الأمناء، الذين يخافون الله في الناس، ويضعون مصالح البلاد والعباد فوق أهوائهم ومطامعهم، وبهم تصان الحقوق، وتحفظ الكرامات، وتستقيم أحوال المجتمع..
وفي إطار هذه المسؤولية الجماعية العظيمة، يأتي دور البيت والمدرسة والإعلام، فهي ركائز بناء الأجيال، ومعاقل تنشئة الأبناء على الإيمان والأخلاق، والعلم والعمل، فإن صلاح الأبناء صلاح للمجتمع كله، وفسادهم فساد عام يتعدى أثره الجميع، قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته).. وما أحوجنا اليوم إلى أن نعد أبناءنا إعدادا إيمانيا وتربويا سليما، إعدادا في المناهج، وتخطيطا في البرامج، وتعاونا في الجهود، ليخرج لنا جيل معتز بدينه، ثابت على هويته، متمسك بقيمه، سائر في حياته على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية..
ومن أعظم المسؤوليات المشتركة ـ الفردية والمجتمعية ـ أن نحافظ على مجتمعنا بأفراده وأسره ومؤسساته، وأن نصونه من التصدع، وأن نقيمه على أسس المودة، والتكافل والتراحم، بتعميق أواصر المحبة والأخوة، انطلاقا من الإيمان الصادق بالله، لا من المصالح المادية، ولا الأهواء الدنيوية، فالمجتمع الذي يقوم على الإيمان، وتتجلى فيه روح الأخوة الصادقة، هو مجتمع تتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين في ترابطهم وتعاونهم بجسد واحد، فقال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام:(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري.
واهتم الإسلام اهتماما كبيرا بالمجتمع، فأقامه على الإيمان والتقوى والأخلاق، وجعله حصنا منيعا أمام حملات الانحراف الفكري والأخلاقي التي تستهدف ديننا وثوابتنا وأخلاقنا، وتسعى لزعزعة قيمنا وإفساد أفرادنا وأسرنا..
ومن أبرز صور المسؤولية الفردية والمجتمعية في حفظ المجتمع: الاهتمام بالنصيحة وآدابها من علم ورفق وحكمة، فالتناصح من أعظم معالم الدين، ووسيلة لنشر الخير ودفع الشر، والنصيحة الصادقة ليست فضيحة ولا تجريحا، بل هي محبة ورحمة وحرص على الإصلاح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم) رواه مسلم.
والنصيحة لله بتوحيده وطاعته، وللقرآن بتعلمه والعمل بما فيه، وللرسول صلى الله عليه وسلم بتعظيمه واتباع سنته، ولأئمة المسلمين بطاعتهم في المعروف، ومعاونتهم على الحق، وتذكيرهم برفق وحكمة، ولعامة المسلمين بالشفقة عليهم والسعي في مصالحهم، وكف الأذى عنهم، وتوقير كبيرهم، والرحمة بصغيرهم، وحب الخير لهم كما نحبه لأنفسنا، فبذلك تصلح أحوال الأمة في دينها ودنياها.
وإن من تمام هذه المسؤولية الفردية والمجتمعية: أن نقف صفا واحدا أمام هذا الغزو الفكري والأخلاقي لنا ولمتجمعاتنا، والذي يراد منه سلخ أبنائنا من دينهم وهويتهم، وتمييع قيمنا وأسرنا، فنواجهه بالعلم والوعي والحكمة والبصيرة، ونحصن بيوتنا وأبناءنا بالإيمان والتربية الصالحة، ونغرس في نفوسهم العزة بدينهم، والفخر بانتمائهم لدينهم، والغيرة على حرماتهم، ليوقنوا أن القيم الإسلامية ليست قيودا تكبلهم، بل أنوار تهديهم، وكرامة ترفعهم، وسعادة تحفظهم في الدنيا والآخرة، وكل منا على قدر مسئوليته كما قال النبي صلى الله عليه وسام: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)..
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين..
أما بعد: أيها المسلمون:
المسلم يعلم أنه موقوف بين يدي الله تعالى، ومحاسب على مسئولياته، ومحاسب عن وقته وعمره وماله، وعن نعمه كيف شكرها، وعن أهله وأولاده كيف رعاهم ورباهم..
والمسؤولية في الإسلام مسؤلية فردية ومسؤولية جماعية، فكل محاسب على ما وكل إليه من أمانة، فالرجل مسؤول عن بيته وأهله، والمرأة مسؤولة في بيت زوجها عن أولادها وتربيتهم، وكل صاحب ولاية أو وظيفة أو منصب مسؤول عن أداء الأمانة والقيام بالحق فيها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
وختاما عباد الله:
إن المجتمع المسلم لا يبنى إلا بتكامل الجهود وتوزيع المسؤوليات والقيام بحقوقها، ومسؤولية حفظ الدين وحماية المجتمع مسؤولية مشتركة، يشترك فيها الجميع: الأفراد والأسر، والآباء والأمهات، والمدارس والجامعات، والمساجد والإعلام، والمنتديات ومواقع التواصل، كل في موقعه يؤدي واجبه، ويغرس في النفوس قيم الإيمان والأخلاق، ويبث روح التعاون والتناصح والتراحم، ليخرج لنا جيل قوي في دينه، معتز بعقيدته، متمسك بهويته..
فاتقوا الله في أنفسكم وأهليكم، وراقبوا الله في السر والعلن، وأدوا ما أوجب الله عليكم من طاعة وعبادة، وحافظوا على صلاتكم فإنها عمود الدين، وأصل الصلاح والإيمان، وربوا أبناءكم على طاعة الله، وعلى حب نبيكم صلى الله عليه وسلم، وازرعوا فيهم المروءة والحياء، وعلموهم الصدق والأمانة، فإنهم أمانة ومسئولية في أعناقكم..
واحرصوا على بيوتكم أن تكون عامرة بذكر الله، مطمئنة بطاعته، قائمة على المودة والرحمة، وتواصلوا فيما بينكم بالحب والنصيحة، وتعاونوا على البر والتقوى، فإن في ذلك سعادة المجتمع واستقراره، ورضا الله تعالى عن أهله..
فكل منا على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك! أدوا الأمانة، وراقبوا ربكم فيما استرعيتم عليه، لتكونوا من الذين قال الله فيهم: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}(المؤمنون:8)..
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).

المقالات

