- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
الحمد لله العظيم في قدره، العليم بخلقه وأمره، القائل في كتابه: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) [القصص: 83]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [آل عمران: 102]، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) [الحشر: 18]، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
أيها المسلمون: التواضع ليس ضعفا ولا مهانة، بل هو قوة نفسية، وبصيرة قلبية، وخلق إسلامي رفيع، إنه خضوع العبد للحق، وخفض جناحه للخلق. هو أن يرى المرء نفسه أقل مما يستحقه، وأن يعامل الآخرين بما يحب أن يعامل به، متذكرا ضعفه وأصله.
إن التواضع هو أول صفات عباد الرحمن، التي ميزهم الله بها في كتابه. قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) [الفرقان: 63]؛ فالمشي "هونا" يعني السكينة والوقار والتواضع، دون تكبر أو استعلاء، وهذا هو المسار الذي رسمه لنا رب العزة.
معاشر المؤمنين: لقد جعل الله التواضع سببا رئيسيا للرفعة في الدنيا والآخرة، وهذه سنة إلهية ثابتة تخالف منطق البشر الذين يظنون أن العلو يتحقق بالتكبر والتعاظم. قال صلى الله عليه وسلم: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) رواه مسلم؛ رفعة في القلوب، ورفعة في الذكر، ورفعة في الدرجات يوم القيامة. فمن وضع نفسه لله رفعها الله، ومن ترفع بها على الخلق وضعها الله.
بل لقد جعل الله سبحانه الدار الآخرة ونعيمها للمتواضعين وحرمها المتكبرين، (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) [القصص: 83].
عباد الله: إن التواضع ضده الكبر، وهو أسوأ الخصال وأهلكها؛ فالكبر هو أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض، فقد تكبر إبليس عن السجود لآدم، فكان جزاؤه الطرد واللعن.
كما أن الكبر صفة الطغاة والظالمين في الأرض، فقد حكى الله تعالى عن فرعون وجنده، (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) [القصص: 39]؛ ولذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم من صفات أهل النار الواضحة، فقال: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) متفق عليه.
وحقيقة الكبر المذموم والمنهي عنه، والذي يمنع صاحبه من دخول الجنة "هو بطر الحق وغمط الناس"، كما في الحديث عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) رواه مسلم.
وبطر الحق: أي رده ورفضه والتعالي عليه. وغمط الناس: أي احتقارهم وازدراؤهم والتعالي عليهم.
فليحذر كل واحد منا من هذه الآفة التي تحرق ثواب الأعمال وتعمي البصيرة. قال تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا) [الإسراء: 37]. فمهما عظم شأنك، لن تستطيع أن تخترق الأرض أو تطاول الجبال، فلماذا الكبر؟
معاشر المؤمنين: إن القدوة والمثل الأعلى في التواضع هو رسولنا صلى الله عليه وسلم، الذي كان سيد ولد آدم وأكرم الخلق على الله، ومع ذلك كان أشد الناس تواضعا.
أما قال الله له: (واخفض جناحك للمؤمنين) [الحجر: 88]؟
أما امتدحه الله من فوق سبع سماوات، فقال له: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم: 4]؟
أما أثنى عليه، فقال: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران: 159]؟
والرسول عليه الصلاة والسلام أكبر من تواضع لله؛ لأنه عرف عظمة الله.
إن النظر إلى سيرته صلى الله عليه وسلم يعطينا الدروس العملية للتواضع:
انظر إلى تواضعه في التعامل مع الضعفاء: فقد كانت الأمة من إماء المدينة تأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت لقضاء حاجتها، فيستجيب لها بكل سعة صدر وتواضع.
وانظر إلى تواضعه في الملبس والمأكل: فقد كان يأكل على الأرض، ويأكل مما يجده، ويجيب الدعوة ولو كانت إلى طعام قليل، قائلا: (لو دعيت إلى كراع -أي عظمة عليها قليل لحم- لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت) رواه البخاري.
انظر إلى تواضعه في بيته: فقد سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟ فقالت: (كان يكون في مهنة أهله -أي خدمة أهله-، فكان يخيط ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه) رواه البخاري. هذا هو التواضع: يحلب الشاة، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويكنس البيت، ويقطع اللحم مع أهله.
انظر إلى تواضعه في مظهره العام: فقد كان يركب الدابة، ويسير في الأسواق، ولا يأنف من مجالسة الفقراء والبسطاء.
صلى الله عليك وسلم ما أعظمك! وما أجلك! نعم، لا يستنكف عليه الصلاة والسلام أن يجيب الدعوة، يذهب مع أصحابه، يسمع بالضعيف أنه مرض فيزوره، وبالعجوز تصيبها الحمى فيزورها، وبالطفل يدهدهه فيمازحه، وبالأعرابي يوقفه فيقف معه، وبالمرأة تسأله فيحيي ويسهل ويستجيب، ويحمل البنت على كتفه في الصلاة، ويأخذ الطفل من أمه ويضعه في حجره، ويمسح على رءوس الأيتام.
يزور طفلا في المدينة، مات طائر له فيرسم من خلال هذه الزيارة للعالم معالم التربية النبوية للأطفال. ويقول: (يا أبا عمير، ما فعل النغير؟) أي عظمة هذه؟
هذا التواضع هو أعلى العظمة، العظمة من قوة، ومن مكانة ومنزلة عند الله وعند خلقه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي كان بعباده خبيرا بصيرا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هاديا ومبشرا ونذيـرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد:
للتواضع أسباب وطرق نكتسبه بها ونرسخه في نفوسنا:
فمنها معرفة الله حق المعرفة: فكلما عظم الله في قلبك، صغرت نفسك في عينك. فتذكر عظمة الخالق وضعف المخلوق. (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه) [الزمر: 67].
ومنها تذكر الأصل والمنتهى: تذكر أنك خلقت من تراب، وستعود إلى التراب. فما الذي يدعوك للتكبر؟ (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) [طه: 55].
ومنها مخالطة الفقراء والبسطاء: مجالسة الضعفاء والمساكين ترقق القلب، وتذكر بالمنة الإلهية، وتبعد عن التعالي.
ومنها قبول النصح وعدم رد الحق: فالتواضع يبدأ بتقبل النصيحة، حتى لو جاءت من شخص تراه أقل منك شأنا أو علما.
ومنها خدمة الآخرين: أن تعود نفسك على خدمة إخوانك وأهلك، فتكسر بذلك حاجز العظمة المصطنعة. قال تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) [الشعراء: 215].
أيها الموفقون، تواضعوا يكرمكم الله، ولينوا يرفعكم الله بين خلقه، وقد جاء وصف أهل الجنة عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل، جواظ، مستكبر) متفق عليه.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب: 56].

المقالات

