الخمر أم الخبائث

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين القائل: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (٩٠) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90-91].

وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌حق ‌تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].

أما بعد:

عباد الله: إن من أعظم الجرائم التي تفشت في المجتمعات، وعرضت الدين والقيم والأمن للضياع وللانسلاخ؛ هي تعاطي المسكرات والمخدرات، مصيبة نكراء، وجريمة شنعاء؛ فتكت بشبابنا، وأهدرات طاقاتنا، وزعزعت أمننا وسكينتنا.

ولقد كانت الخمر عند العرب في الجاهلية تسمى أم الخبائث، فلا يشربها عقلاؤهم، ولا يتعاطاها رؤساؤهم، وقد حرمها كثير منهم على نفسه، منهم حاتم الطائي وزيد بن عمرو بن نفيل وهرم بن سنان، وكانت تسمى عندهم السفيهة، والمؤذية، والقبيحة، والمكروهة.

فلما أتى الإسلام حرمها الله تبارك وتعالى في كتابه، {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ‌فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90]. وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم، بقوله: (ما أسكر قليله فكثيره حرام) رواه أحمد.
وعن عمر بن الخطاب قال: يا أيها الناس، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعدن على ‌مائدة ‌يدار ‌عليها الخمر) رواه أحمد.

وفوق هذا أضرارها وبيلة، ويكفي ما نسمع ونرى وما ينقل إلينا من تلك الأضرار الوخيمة، والعواقب الأليمة التي تفشت في مجتمعات المسلمين.

ومن أعظم تلك الأضرار: أن الخمر محاربة لله تبارك وتعالى، ومعصية ظاهرة له، ومن فعلها أو تناول شيئا منها، أو روج لها، أو ذكرها بإستحسان، أو سكت عن مروج لها؛ فقد بارز الله بالمعصية، واستوجب لعنة الله وغضبه وسخطه ومكره، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أتاني جبريل، فقال: يا محمد، إن الله عز وجل لعن الخمر، ‌وعاصرها، ‌ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومستقيها) رواه أحمد. فهي عداوة صريحة لله تبارك وتعالى في أرضه.

ومن الأضرار: أنها تمهد لكثير من الجرائم والموبقات؛ لأن الإنسان إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى قتل، وزنى، وسرق، واغتصب، وفعل كل خبيثة وفاحشة.

ومن أضرارها: أن فيها إذهابا للعقل الذي هو أعظم هبات الله للإنسان، فإذا أذهب هذه المنة، والنعمة، فقد تردى في الحضيض، وباء بالغضب واللعنة، {وقالوا ‌لو ‌كنا ‌نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10]، فالذي أذهب عقله أصبح في مستوى البهيمة لا يدرك ولا يعرف شيئا، فقلت قيمته، وخف وزنه، فلا حياء، ولا مروءة، ولا دين ولا خير فيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (‌ولا ‌يشرب ‌الخمر ‌حين يشرب وهو مؤمن) متفق عليه.

ومن أضرارها: أنها إهدار للدماء والأعراض والأموال؛ فأما الدماء فكم من قتل رهيب، وسفك للدماء، واقتحام للبيوت الآمنة وقع بسبب ذلك.

وأما الأعراض؛ فإن أكبر جريمة بعد شرب الخمر جريمة الزنا، وهي تأتي كثيرا بعد أن يذهب الخمر بالعقل، بل ربما أدت إلى الاعتداء بالجريمة الفاحشة على أقرب الناس، والعياذ بالله تعالى.

وأما الأموال، فإنها تؤدي إلى الميسر والقمار، وإلى إتلاف الآلاف والملايين في غضب الله، وسخطه، ولعنته.

ومن أضرارها: أنها ضياع لشباب الأمة، وإهدار لقوتها ومستقبلها، فقد ضاع كثير من الشباب بسبب هذه الخبيثة المخبثة، فدخلوا السجون وضاعت أعمارهم بسببها.

ومنها الأضرار الصحية التي تعرضت لها الأمة: فإن من أعظم ما فتك بالناس المخدرات والخمور وقد شهد بها أهلها ومنتجوها، ومروجوها، ومصنعوها، وموردوها، فقد انتشر عن طريقها: مرض الإيدز، وأمراض الالتهاب الرئوي، وسوء الهضم، والتشنج والسهاد، والقلق، والسهر، والارتباك، والمرض النفسي، والانهيار العصبي، والغم، والهم، والحزن، إلى غير ذلك مما ذكره أهل الطب،
يقول بعض علماء الغرب: إن من أكبر ما أدى بـأوروبا إلى الانهيار والتحطم الروحي، هو تلك المخدرات والخمور التي انتشرت في مجتمعاتها.

فهذه أضرارها؛ بل هي قليل من كثير.

لكن ما هي الأسباب التي أدت بطائفة من شبابنا ومجتمعاتنا إلى هذا التهتك والتهور والانحلال وتعاطي الخمور والمخدرات والترويج لها؟

من هذه الأسباب:
السبب الأول: ضعف مراقبة الله: فمن لا يراقب الله يضيعه الله، ومن لا يحفظه سبحانه وتعالى يجعله عبرة للمعتبرين، {فلما ‌زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} [الصف: 5]. فلما ضعفت مراقبة الله في قلوب كثير من الناس؛ سهل عليهم تعاطي الخمور والمخدرات، فوقعوا في ما يسخط الله ويغضبه .

ولذلك فإن أعظم ما يوصى به في هذا الجانب هو قوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك) رواه أحمد. فمن لا يحفظ الله لا يحفظه الله.

والسبب الثاني: سوء التربية: فإن الأسرة هي المسؤول الأول في إصلاح الشاب وهدايته وتوجيهه، والشاب الذي ينشأ على غير التدين وحصن الإيمان ووازع التقوى من السهل استدراجه لهذه القاذورات.
فالأب هو المسؤول الأول، والأم كذلك مشتركة في المسئولية، فعليهم أن يتقوا الله في أبنائهم.

والسبب الثالث: الفراغ: لما فرغت قلوبهم من طاعة الله وذكره ومحبته؛ دخل عليهم الشيطان، فوسوس في قلوبهم، وزرع حب الجريمة، وتعاطوا المخدرات وتناولوها وسهلت عليهم.

والسبب الرابع: قرناء السوء: فإن لقرناء السوء دورا مهما في انحراف الشباب، وقد جاء في الحديث عن ‌أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌المرء ‌على ‌دين ‌خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أحمد.

والسبب الخامس: التقليد الأعمى: فإن كثيرا من الشباب لسوء فهمهم للإسلام، ولقلة علمهم وفقههم في دين الله تراه ينظر إلى الغرب وحضارته نظر المعجب، الذي بهرته هذه الحضارة؛ لأنه مغلوب في نفسه وروحه وكيانه، حتى يفتخر بعضهم في المجالس ويقلدهم فيما يعملون وفي طريقة حياتهم ولو بالسوء والمنكرات.

فهذه بعض الأسباب التي أحدثت انتشار هذه الجريمة والمعصية الخطيرة.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، ومحجة الله وحجته على العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله: هذه هي الأسباب، وتلك هي الأضرار، فما هو العلاج إذن؟ وما هو البلسم الشافي والدواء الكافي من هذه الأزمات والصعوبات والأمراض الوبيئة التي تنخر في جسد الأمة وشبابها؟

إن العلاج يكمن في أمور:
الأول: وهو أعظمها وأشرفها: العودة إلى الله الحي القيوم، ومراقبته سبحانه وتعالى وتقواه؛ فإنها النجاح في الدنيا والآخرة، ولو اتقى هؤلاء الله عز وجل لعصمهم، قال سعيد بن المسيب وقد ذكر له رجل شرب الخمر: "ما سبب شربه الخمر وكان معنا؟ قال: ترك طاعة الله، فسقط من عين الله، فرفع الله ستره عنه"، وإذا أراد الله أن يرفع كنفه عن العبد خلاه ونفسه، ولم يستدركه بطاعة، ولم يلهمه رشده، فتردى على وجهه في النار.

فأعظم العلاج أن نعود بشبابنا وأمتنا إلى الله سبحانه وتعالى.

والثاني: تربية شبابنا وأطفالنا على الدين والإيمان والتقوى وتعظيم الله جل وعلا وأمره ونهيه .

والثالث: توجيههم إلى العلم الشرعي: العلم النافع الذي تحتاج إليه القلوب والأرواح، فنملأ به قلوب الناس، ونقود الناس إليه، وننشره، في كل مكان وبكل وسيلة ممكنة، حتى يعم الخير والهدى ويتعظ المسلمون ويتمسكون بالدين وشعائره فيبتعدون عن المعاصي والمنكرات.

الرابع: أن نقضي على فراغهم، ولا نترك لهم دقيقة واحدة إلا في عمل خير أو مباح لا مضرة من ورائه، وننوع لهم البرامج والأنشطة الهادفة، والدورات العلمية والثقافية والرياضية ونحوها، فنحمي الجيل من الضياع، ونشغله بما يعود عليه بالخير وعلى الأمة ودول المسلمين.

ومن كان له تميز وتخصص وتأهل آخر: فليذهب به إلى تميزه من تجارة نافعة، ومن كسب محمود، ومن عسكرية طيبة شريفة؛ يحمي دينه وأمته في هذا السبيل.

فلا علاج إلا أن يقضى على فراغ هذه الأمة وفراغ شبابها بأن يؤهلوا في مؤهلاتهم وتخصصاتهم.

الخامس: أن نحفظ أبناءنا من قرناء السوء؛ فإن بعض الآباء من الذين قل دينهم وفقههم في دين الله؛ يذهب ابنه الساعات الطوال ثم لا يسأله أين ذهب ومع من ركب أو جلس، أو أين نام وقعد، فتأخذه شياطين الإنس؛ فيسلخون دينه وعقله، ويحببون له الجرائم، فيصبح فردا من أفراد الفساد في الأرض.

السادس: ألا نسمح لأي مروج، أو مفسد، بل نأخذ على يده، ونخبر به، ولا نتستر عليه إذا كان مجاهرا؛ فإن التستر على المجاهر مساعدة له، ومطعم المأكول كالآكل، ولقد قال تعالى: {كنتم ‌خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110].

فيا شباب أمة محمد صلى الله عليه وسلم! ويا شباب الإسلام! عودة إلى الله.. عودة إلى المسجد.. عودة إلى المصحف.. عودة إلى حلقات العلم.. عودة إلى تذكر الطريق إلى الله وتذكر الموت ولقاء الله عزوجل.

شباب الدين للإسلام عودوا   ***     فأنتم مجده وبكم يسود
وأنتم سر نهضته قديما    ***    وأنتم فجره الباهي الجديد

عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ‌صلوا ‌عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56]. 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة