الذنوب سبب للبلاء

0 0

 الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: 

أيها المسلمون: الذنوب سهام مسمومة تصيب القلب فتظلمه، وتورث الواقع فيها هما وغما لا يفارقه، وهي أصل كل بلاء نازل، ومنبع كل شقاء حاصل، ومفتاح أبواب العقوبات في الدنيا قبل الآخرة، وما نراه في أيامنا من قسوة في القلوب، واضطراب في الأحوال، وتعاقب للمحن والابتلاءات، إنما هو من ثمار الذنوب والمعاصي، ونتائج الإعراض عن طاعة الرحمن، فكم من معصية أورثت هما وغما، وكم من ذنب كان سببا في حرمان النعم وزوالها.. فما الذي أخرج الأبوين الكريمين من الجنة دار النعيم؟ وما الذي طرد إبليس من رحمة الله؟ وما الذي أغرق فرعون؟ وأهلك عادا وثمود؟ ورفع قرى قوم لوط ثم دمرها تدميرا؟!! إنها الذنوب والمعاصي التي تهلك الأمم، وتزيل النعم، وتجلب النقم، وما نراه اليوم من اضطراب في العالم، وذهاب للأمن، وضيق في الأرزاق والصدور، ما هو إلا صورة من صور هذا الضنك الذي توعد الله به من أعرض عن ذكره، قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}(طه:126:123)، ذلك هو الضنك الذي يتسلل إلى القلوب فيطفئ نورها، ويظهر أثره في الأخلاق والأرزاق وسائر شؤون الحياة، جزاء الإعراض عن هدى الله، والتمادي في المعاصي والذنوب.

فالطاعة والمعصية آثارها جلية في حياة الأفراد والمجتمعات، وربنا جل وعلا له سنن لا تتغير ولا تتبدل، قال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} الأنعام:44)، فالطاعة تنير القلب، وتشرق الوجه، وتقوي البدن، وتوسع الرزق، وتبارك في النعم، وتكسب محبة الناس، بينما المعصية تزيل النعم، وتزرع الظلمة في القلب، والسواد في الوجه، والضعف في البدن، والضيق في الرزق، والبغض في قلوب الناس.. وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من المعاصي، وأخبرنا عن بعض آثارها وعقوباتها في الدنيا فقال: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن ، وأعوذ بالله أن تدركوهن : لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) رواه ابن ماجه.
وهذا الحديث النبوي الشريف يبين أن ظهور أنواع البلاء في الأفراد والمجتمعات والأمم هو من صور العقوبات الإلهية على المعاصي، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من خمس من هذه المعاصي وبين عواقبها، وهي:
انتشار الفاحشة، قال صلى الله عليه وسلم في آثارها: (إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)، وما نشهده اليوم من بعض الأمراض الفتاكة والتي لم تكن معروفة من قبل، مثل مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، ما هي إلا نتيجة لوقوع الفاحشة وانتشارها دون خوف ولا حياء من الله.
ومن هذه المعاصي: الغش في المكيال والميزان، فقال: (ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم) ونقص المكيال والميزان، صورة من صور الغش، وعقوبته وعاقبته:  الغلاء وظلم الولاة لهم.
ومنها: منع الناس للزكاة، فقال صلى الله عليه وسلم: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا)، وذلك لأن الله عز وجل لم يرزقهم وينزل عليهم المطر إلا من أجل هذه البهائم.
ومنها: التخلف عن الوفاء بالعهد، وعدم التحاكم إلى كتاب الله، فكان عقابهم أن استولى أعداؤهم على بعض أموالهم وممتلكاتهم، وجعل الله بعضهم أعداء لبعض.. فالحديث بمعانيه، تحذير من المعاصي، وبيان لآثارها وعقوباتها في الدنيا، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، إذ تحقق ما تنبأ به في الأمم من بعده..

عباد الله:
المعاصي والذنوب سبب لكل شقاء وبلاء، وتمتد آثارها لتشمل حرمان إجابة الدعاء، كما ذكر التابعي الجليل إبراهيم بن أدهم حين مر بسوق البصرة فقال له الناس: مالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟! فقال رحمه الله: فقال: "لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، وقرأتم القرآن ولم تعملوا به، وزعمتم حب نبيكم وتركتم سنته، وقلتم إن الشيطان عدوكم ووافقتموه، وقلتم إنكم مشتاقون إلى الجنة ولم تعملوا لها، وقلتم إنكم تخافون النار ولم تهربوا منها، وقلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له، واشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم، وأكلتم نعم الله ولم تؤدوا شكرها، ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم، فكيف يستجاب لكم؟"..
إن من أعظم أسباب البلاء الذنوب والمعاصي، قال الله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}(الشورى:30)، وقال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}(الروم:41).

وإذا كانت الذنوب سببا من أسباب البلاء، فبالتوبة والاستغفار يرفع البلاء، كما قال سلفنا الصالح: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة".
فيا من تريد التوبة وتعاني في ذلك، اسمع إلى إبراهيم ابن أدهم حين ذهب إليه رجل وقال له أريد أن أتوب ولا أستطيع؟ فنصحه قائلا له: "إن أردت أن تعصي الله فابحث عن مكان لا يراك الله فيه، قال الرجل: وكيف، والله لا تخفى عليه خافية؟ قال: فكيف تعصي الله والله يراك؟ قال الرجل هات الثانية: قال إبراهيم: إن أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزقه؟ فقال الرجل: ومن أين آكل والأرزاق كلها من الله؟ قال: ما تستحي من الله تأكل من رزقه وتعصيه وهو يراك؟ قال الرجل هات الثالثة، فقال إبراهيم: إن أردت أن تعصي الله فلا تسكن في أرضه؟ فقال الرجل: وأين أسكن والأرض كلها لله؟ قال إبراهيم: أما تستحي من الله، تعصيه وهو يراك، وتأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، قال الرجل هات الرابعة، قال إبراهيم: فإذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك، فقل له: أخرني حتى أتوب وأعمل لله صالحا، قال: لا يقبل مني؟ قال إبراهيم: يا هذا! إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب، فكيف ترجو الخلاص؟! قال الرجل: هات الخامسة، قال إبراهيم: إذا جاءك ملائكة العذاب يوم القيامة ليأخذوك إلى النار، فلا تذهب معهم؟ قال: إنهم لا يتركونني ولا يقبلون مني، قال إبراهيم: فكيف ترجو النجاة إذن؟ قال الرجل: يا إبراهيم، حسبى، حسبي، أنا أستغفر الله وأتوب إليه.. وكان الرجل لتوبته وفيا، فلزم العبادة والطاعة، واجتنب المعاصي حتى فارق الدنيا..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية 
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: أيها المسلمون:

ليس عيبا أن يخطئ الإنسان أو يقع في الذنب، فذلك من طبيعة البشر وضعفهم، إذ لم يخلق الإنسان معصوما من الخطأ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) رواه الترمذي. ولكن العيب كل العيب أن يتمادى العبد في معصيته، ويصر على ذنبه، ويؤخر التوبة يوما بعد يوم، حتى يقسو قلبه ويطبع عليه من الخطايا.
وكم من إنسان بيننا يعيش في نعم الله الظاهرة والباطنة، يتقلب في رزقه الله، ويتمتع بصحته وأمنه، ومع ذلك يعصي الله ليلا ونهارا، ويغفل عن الشكر والطاعة، ويؤجل التوبة، ويمني نفسه بالأماني الكاذبة، فيقول: سأتوب غدا، وسأعود إلى الله قريبا، وهو لا يدري هل يدرك الغد أم يكتب في الأموات قبل طلوع فجره، وتأملوا ـ رحمكم الله ـ وصية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين قال: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء"..

وختاما ـ عباد الله ـ، بادروا إلى التوبة الصادقة ولا تؤجلوها إلى الغد، فالغد قد لا يأتي علينا، والسعيد حقا هو من تاب قبل الفوات، وأصلح ما بينه وبين ربه في الحياة قبل أن يحال بينه وبين العمل بالممات، وعلينا أن نحذر من المعاصي صغيرها وكبيرها، ونجاهد أنفسنا على تركها، وأن نحافظ على طاعة الله، ونؤدي الصلوات في أوقاتها، واعلموا أن باب التوبة مفتوح على مصراعيه، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، والله سبحانه يغفر الذنوب جميعا لعباده التائبين، كما قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم}(الزمر:53).
واعلموا أن الله يفرح بعودتكم وتوبتكم إليه، كما قال في الحديث القدسي: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه مسلم.
فعودوا إلى الله صادقين تائبين، فبالتوبة ترفع الدرجات، وتمحى السيئات، وتتحقق السعادة في الدنيا والآخرة.

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة