المفسدون في الأرض

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، المحمود في كل وقت وحين.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأد الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌حق ‌تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].

أما بعد:

معاشر المؤمنين: إن أعظم المقاصد التي جاءت بها شريعتنا الغراء هي: تحقيق الصلاح، ونشر الخير والعدل في حياة الناس، ومقاومة كل ما يؤدي إلى الفساد والشر والظلم. ولقد حذرنا الله تبارك وتعالى تحذيرا شديدا من طائفة هم سبب كل بلاء في الدنيا والآخرة، وهم المفسدون في الأرض.

فمن هم المفسدون في الأرض؟

عباد الله: إن المفسد ليس فقط من يرتكب الذنوب والمعاصي التي تضره هو، بل هو كل من يتعدى ضرره إلى المجتمع، فيغير الفطرة السليمة، ويهدم الأسس القويمة. ولقد ذكرهم الله تعالى في كتابه الكريم وحذر منهم أشد التحذير: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} [الأعراف: 85]. {وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142].

والمفسدون أنواع شتى، فمنهم:
مفسدو العقيدة والأخلاق: الذين ينشرون الشرك والبدع والكفر والضلال، ويزينون الفواحش والرذائل ويشيعونها بين الناس، ويهدمون قيم الحياء والعفة.

وقد قامت بذلك كثير من المذاهب الباطنية والتي ما زالت ممتدة إلى اليوم، وتواطأت معها ديانات الكفر في العـداء للإسلام، والمكر به وبأهله وشعائره.

مفسدو الأمن والدماء: وهم المحاربون الذين يسفكون الدماء البريئة بغير حق، ويقطعون السبل، ويهددون سلامة الناس واستقرارهم.
وقد نشأت حركات الخوارج التي استباحت دماء المسلمين في كل مكان بعد أن تكفرهم، كما نشأت في ظل غياب الأمن والعدل والدولة القوية عصابات قطاع الطرق ومن يرعبون الناس ويصادرون ما معهم.

مفسدو الاقتصاد والأموال: كالسارقين والمرتشين والمحتكرين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وينشرون الظلم المالي في المجتمع.

مفسدو الكلمة والرأي العام: وهم الذين يثيرون الفتن والشائعات، ويفرقون بين الصفوف، ويحرضون على البغضاء والكراهية بين أفراد الأمة.

والمفسدون يتميزون بصفة عجيبة ذكرها الله عنهم: {وإذا قيل لهم ‌لا ‌تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (١١) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 11-12]. فهم يظنون أن ما يفعلونه إصلاح، بينما هو عين الفساد والهلاك، وهذا من أعظم الضلال.

أيها الناس: لقد واجه الإسلام تهما فظيعة، وطعونا شنيعة من أعدائه سلفا وخلفا، اتهموه بالرجعية والتأخر، واتهموه بالهمجية في تطبيق الحدود، وسن الشرائع، وتنفيذ الفرائض.

عباد الله: إن الحدود نعمة من نعم الله تبارك وتعالى، سنها لحفظ الإنسان، ولحمايته ورعايته، واعتبر الله عز وجل من عطل حدوده في الأرض كافرا ظالما فاسقا، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، يقول جل ذكره: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]. {فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45]. {فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47].
{أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50].

والعجب ممن يعترض على دين الله سبحانه وتعالى، ويتهم الإسلام إذا قتل مجرما واحدا أو أقام عليه الحد الشرعي؛ ثم هم يقتلون عباد الله في الأرض، ويسعون في الأرض فسادا، ويؤيدون الطغيان والاستبداد، واستحلال الشعوب، وقتل الأرواح والضمائر.

قتل امرئ في غابة   ***   جريمة لا تغتفر
وقتل شعب كامل   ***     مسألة فيها نظر

ولكننا نرجع حكمهم إلى الله، ونعتز بهذا الدين الذي جعله الله حفظا للأرواح وللأنفس وللأعراض وللأنساب وللأموال؛ وقمع به الفساد والمفسدين.

ونحن في الإسلام لا نسقط العقوبة عن مرتكب الجرائم ما دام أنها قد وصلت إلى الجهات العليا في الدولة؛ فإذا بلغت السلطان أو القاضي الحدود كحد الزنا، أو حد شرب الخمر، أو حد السرقة، فأتى أناس يتشفعون من الوجهاء والمسئولين، فلا يقبل منهم ذلك؛ لما في ذلك من الظلم والفساد على الناس ودنياهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن ‌فاطمة ‌بنت ‌محمد ‌سرقت لقطعت يدها). متفق عليه.

وحاشاها أن تسرق، ولكن أراد صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس أنه لا تأخذه هوادة في دين الله، وأن الوساطات والشفاعات في تغيير الحدود أو تعطيلها معناها الخروج عن شريعة الله والتعرض لسخطه.

عباد الله: إن من النعم الجليلة أن يطبق حكم الله عز وجل، وأن تنفذ حدوده، ولا يعطل منها شيء؛ لأن ذلك شرط للاستقرار والأمن والازدهار، ورضى الله سبحانه وتعالى، وإنزال سكينته على عباده.

والحدود في الإسلام لم تشرع ولم تسن عبثا، وإنما شرعت لحكم وفوائد ومنافع:
فمنها الطهارة من الذنوب: فهي مطهرة لمن اقترف هذه الذنوب والخطايا، فيوم يذنب العبد ويقع في الجريمة إذا طبق عليه الحد يكون مطهرا له من الذنوب فيقبل على الله عز وجل طاهرا مغفورا له ذنبه، ولقد بلغ من النماذج في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ما يعجب له قلب المؤمن.

عن ‌عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى فقالت: "يا نبي الله، أصبت حدا فأقمه علي"، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: (أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها. ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: ‌لقد ‌تابت ‌توبة ‌لو ‌قسمت ‌بين ‌سبعين ‌من ‌أهل ‌المدينة ‌لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟) رواه مسلم.

ولا شك أن ستر المسلم نفسه وتوبته إلى الله سبحانه أولى وأفضل، لكن لو أراد أن يطهر نفسه أو رفع أمره للحاكم فلا بد من إقامة الحد الشرعي عليه.

ومن المنافع: استتباب الأمن في البلاد، وقطع دابر المجرمين والمفسدين في الأرض، وعصابات الإرهاب التي تفسد في الأرض، وتعرض الأمة للدمار، وتزعزع البيوت الآمنة والآهلة بالسكان، فإن الأمن في تطبيق الحدود، وهذا معنى قوله تبارك وتعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} [البقرة: 179]، ونكر (حياة) ولم يقل (الحياة) لتكون حياة بمعنى مفهوم الحياة العامة الشاملة الثابتة.

والمنفعة الثالثة: أنها زواجر للمعتدين، وموانع لمن يريد أن ينتهك حرمة عباد الله عز وجل، فإن من مقاصد الإسلام حفظ: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، فجعل الله عز وجل لهذه الأمور الخمسة موانع وحواجز تحفظها من كل من يريد أن يعتدي عليها.

والمنفعة الرابعة: رضا الله سبحانه بتطبيق شريعته في الأرض، فيفتح الله للناس بركات السماء والأرض، ويؤلف بين القلوب، ويحمي البلاد من اعتداء المعتدي، ويرد عنها كيد الكائدين: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا} [الطلاق: 8، 9].

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

فإن للفساد عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة:
ففي الدنيا: يزول الأمن، وتنتشر الأمراض الاجتماعية، وتقل البركات، ويحل الغلاء والجفاف. قال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41]. والفساد هو سبب هلاك الأمم السابقة.

وفي الآخرة: عذاب أليم، وغضب من الله، قال سبحانه: {ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين} [المائدة: 64]. ومن لا يحبه الله فقد أبعده، ومن أبعده الله فقد خسر خسرانا مبينا.

أيها المسلمون: لننظر حولنا، فكل فساد نراه، من ظالم يظلم، أو صاحب سوء يدعو إلى الرذيلة، هو مظهر من مظاهر الإفساد الذي يجب أن نقف ضده.

معاشر المؤمنين: وبعد أن عرفنا خطر المفسدين وعواقب فسادهم، فما هو واجبنا الشرعي تجاههم؟ فلسنا أمة سلبية تقف متفرجة على الفساد وهو يدب في جسد الأمة.

إن واجبنا تجاه المفسدين هو واجب الإصلاح والمقاومة، وله درجات:
أولا: تقوية الإيمان وإصلاح الذات: فالأساس هو إصلاح الفرد لنفسه وأهله، فإذا صلح الفرد صلحت الأمة، فابدأ بنفسك: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6].

ثانيا: القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا هو السياج الذي يحمي المجتمع، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب) وقال (ما من ‌قوم ‌يعمل ‌فيهم ‌بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب) رواه أبو داود.

ثالثا: التعاون على البر والتقوى: يجب على الصالحين أن يتوحدوا ويتعاونوا لإقامة مشاريع الإصلاح والتربية، ونشر الخير والعلم الصحيح، لتقف الأمة صفا واحدا ضد تيار الفساد، {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2].

رابعا: تطبيق الحدود والعقوبات الشرعية: على ولاة الأمر والقائمين على تطبيق الشرع مسؤولية عظيمة في ردع المفسدين بالقانون والعقوبات الرادعة، ليكونوا عبرة لغيرهم، وحماية للمجتمع.

فيا عباد الله: ليكن شعارنا الدائم: "لا للإفساد، ونعم للإصلاح".

لنكن من دعاة الخير، وناشري الفضيلة، ولنقاوم الفساد بكل صوره وأشكاله، ولنعلم أننا بذلك ننال محبة الله ورضاه، وثواب المصلحين الذين قال الله فيهم: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف: 30].

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ‌صلوا ‌عليه ‌وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].


 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة