المنهج الحق في حياة المسلم

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أيها المسلمون:

إن المسلم في هذا العصر في حاجة ماسة إلى معرفة المنهج الصحيح الذي يسير عليه في حياته ومعاملاته، حتى يمضي في هذه الحياة بخطى ثابتة على نهج واضح من كتاب الله، ودليل ساطع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بين لنا ربنا سبحانه الطريق والمنهج وأمرنا باتباعه، وحذرنا من الانحراف عنه، والوقوع في متاهات السبل الضالة التي تفرق بيننا وبينه، فقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}(الأنعام:153). قال الطبري في تفسيره: ""صراط الله" هو طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده مستقيما قويما لا اعوجاج به عن الحق، فاتبعوه واعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجا تسلكونه، ولا تسلكوا طريقا سواه، ولا منهجا غيره، ولا تبغوا دينا خلافه من اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل، فإنها بدع وضلالات".
في زمن كثرت فيه الفتن، وتعاظم فيه عداء الأعداء، ومكر الماكرين بديننا وأمتنا، أصبحنا نرى كل مكار خبيث يجعل من اسمه ولسانه وقلمه ستارا يضل به العامة ويخدع به البسطاء، قال الله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}(البقرة: 205:204). وفي ظل هذه الفتن والمكائد، أصبح من الواجب على كل مسلم أن يعرف دينه معرفة صحيحة، ويعرف مقاصده وغاياته، ويتمسك به علما وعملا، فهو الطريق الوحيد للنجاة من الضلال والتيه، والوقاية من الفتن والشقاء..

عباد الله: لقد حان الوقت أن يسير المسلمون في حياتهم على بصيرة وهدى، وأن يتعلموا دينهم عن علم ويقين، فقد كثرت الشعارات الخادعة في هذا العصر للسير تحت مناهج منحرفة بعيدة عن ديننا، وأصبح البعض يتستر بلباس الإسلام لتحقيق مآرب دنيوية ومقاصد مشبوهة، مما يفرض على المسلم أن يميز بين الحق والباطل، وأن يستشعر نعمة الإسلام العظيمة التي لا تقاس بثمن، ولا تقدر بكنوز الأرض، فقد اختارنا وأكرمنا الله بهذا الدين العظيم الذي لا يعدله شيء ولا يقبل دينا غيره، قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}(آل عمران:19)، وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران:85).
إن نعمة الإسلام التي أكرمنا الله بها، هي التي أخرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمتنا والبشرية من ظلمات الجاهلية إلى نور التوحيد، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة:3).
لكن إذا تأملنا حال أمتنا اليوم نجد أن واقعها ابتعد عن تعاليم دينها، حتى طمست أنواره في النفوس، وأصبح المسلمون غثاء كغثاء السيل، يعصف بهم الضعف والتفرق، وتلعب بهم شرذمة قليلة من أعدائهم، فاقتطعوا من قلب العالم الإسلامي أرضا من أقدس الأماكن، فضلا عن الغزو الفكري والأخلاقي الذي يعصف بدينهم وأخلاقهم وموازينهم، وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك عندما قال: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) رواه أبو داود.
وها نحن نرى ما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، كثرة في العدد، وضعف في الأثر، وتفرق في الكلمة، وتنازع في المواقف، وما هذه النكبات والمصائب التي حاقت بالأمة ونزلت بها، إلا نتيجة البعد عن منهج الله، والانحراف عن سبيله القويم، قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}(طه:124)..
فإن تساءلت وقلت: ما المخرج من هذا الضنك الذي تعيشه أمتنا؟ وما الطريق إلى العز من بعد الذل؟ وإلى القوة من بعد الضعف؟ إنه ولا شك في الرجوع إلى الله، وطاعة الله، ومنهج الله، قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}(طه:123)، المخرج في الرجوع إلى الإسلام الذي هو عقيدة خالصة لله، وعبادة صحيحة على هدي رسوله، وأخلاق سامية، ومنهج شامل لكل شأن من شؤون الحياة والإنسان.. المخرج في الرجوع إلى الكتاب والسنة والاهتداء بهديهما، قال صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، كتاب الله، و سنة نبيه) رواه مالك.

أيها المؤمنون:
بعد أن ذكرنا أهمية تمسكنا بديننا والرجوع إلى منهج الله القويم، يجب أن نعلم جميعا أن حقيقة الإسلام لا تقتصر على مظاهر خارجية أو كلمات تقال دون فهم ووعي.
إن حقيقة الإسلام ليست طقطقة بالمسابح، ولا تمتمة بكلمات تقال في المناسبات، وليست هي إسلام الشعارات، ولا التعلق بأوهام تنتظر أن ينزل الصلاح والخير والسلام والعدل من السماء دون عمل أو اجتهاد..
إن الإسلام ـ كما أراده الله ـ عقيدة راسخة تقوم على التوحيد الخالص، وعبادة صحيحة تؤدى بقلب خاشع وجوارح صادقة، وعلم نافع يهدي، وعمل صالح يرفع، وإيمان يعمر القلب، وسلوك مستقيم يزكي النفس، ومعاملات وأخلاق تهذب المجتمع، ودعوة إلى الحق، وجهاد للنفس والباطل، ومنهج عدل ورحمة، وأمن وسلام..
الإسلام استسلام وخضوع وانقياد مطلق لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}(الأحزاب:36)..
الإسلام دين شامل لجميع جوانب الحياة، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة}(البقرة:208) يعني في الإسلام كله، فالمسلم يلتزم بدين الله، ويستقيم على أمر الله في جميع أموره وأحواله، في البيت والمسجد والعمل، والسفر والحضر، بل في جميع جوانب حياته، قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}(الأنعام:162).. 

واعلموا ـ عباد الله ـ أن ما أصاب المسلمين اليوم لم يكن بسبب قلة في العدد، ولا ندرة في العدد، ولكن بسبب سوء فهمهم لحقيقة دينهم، ورضاهم بمجرد الانتماء إليه اسما وشكلا دون بصيرة في جوهره، ودون التزام بشعائره وحقائقه، وحدوده وأحكامه..
إن من الواجب علينا أن نوقن يقينا جازما أنه لا سعادة ولا أمن ولا عزة ولا نصر للأمة إلا بالإسلام الحق، إسلام العقيدة والعبادة والعمل، إسلام الاتباع والانقياد لله، ولا خير للأمة إلا في اقتفاء أثر المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتمسك بهديه وسنته وأخلاقه، والسير على طريق الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}(الأحزاب:21)، وقال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه}(الحشر:7)، وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}(التوبة:100)، وقال صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) رواه أبو داود..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد، أيها المسلمون:

إن مسئولية حمل راية الإسلام -الحق- ونصرته تقع على عاتق كل من تشرف بالانتساب لهذا الدين، وهي أمانة عظيمة ثقيلة، ولكن الله سبحانه بتوفيقه لعباده ييسر لهم القيام بها، ويعينهم عليها، فيجب علينا أن نكون صادقين مع الله في حمل رسالة الإسلام، علما وعملا ودعوة، دون إفراط ولا تفريط، ودون غلو ولا تساهل..
ومما يؤسف له، أن كثيرا من المسلمين قد غفلوا عن مسؤولياتهم تجاه دينهم وأمتهم، فتركوا العمل به، والدعوة إليه، والدفاع عنه، والانتصار له، ورضوا بما في أيديهم من دنيا وزينة، مما سهل على أعداء الإسلام نشر باطلهم في غفلة منهم..
فاتقوا الله يا عباد الله، واعلموا أن الله سائلكم عن هذا الدين، حفظتم أم ضيعتم، وليكن لكم في رسولكم أسوة حسنة، فقد كانت حياته كلها في سبيل نشر الإسلام، فاقتدوا به وتمسكوا بسنته صلى الله عليه وسلم..

وختاما، أيها العلماء والمعلمون، والدعاة والمربون، والآباء والأمهات، ويا حملة الأقلام والإعلام، ويا كل مسئول عن أمر من أمور المسلمين: اتقوا الله واجتهدوا في تعليم الناس والأبناء حقيقة إسلامهم، وقوموا بمسئولياتكم فقد قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري.

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة