- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، المحمود في كل وقت وحين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].
أما بعد:
أيها المسلمون: حديثنا اليوم عن حق عظيم، ومنزلة رفيعة، وواجب مقدس، هو حق الوالدين، فهو من أجل الحقوق بعد حق الله تعالى، وقد قرنه الله تعالى بحقه في آيات كثيرة؛ لبيان عظمته وشأنه.
تأملوا معي قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23].
بدأ الله تعالى بالأمر بعبادته، ثم أتبعه مباشرة بالأمر بالإحسان إلى الوالدين. وهذا الترتيب دليل قاطع على أن بر الوالدين من أعظم القربات، وأوجب الواجبات، وأنه من التكاليف التي لا تسقط إلا بالموت.
عباد الله: إن من أعظم المعاصي التي عصي الله بها في الأرض عقوق الوالدين، وهو قطيعة للرحم؛ ولذلك توعد الله بالعذاب الأليم للعاق وللقاطع، وهي معصية فظيعة، وجريمة شنيعة، تقشعر لها الأبدان، ويندى لها الجبين، {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}.
وانظر إلى هذه الصورة العجيبة، التي صورها القرآن: صورة الأب والأم وقد احدودب ظهرهما، وقل صبرهما، وأبيض شعرهما، وهما يريان شبابهما الذي أنفقاه في تربية هذا الابن؛ فلما ترعرع وقوي ظهره واشتد ساعده وقوي غمط حق والديه، يوم أذهبا العمر والشباب وزهرة الحياة في تربيته، سهرا لينام، وجاعا ليشبع، وتعبا ليرتاح، فلما كبر هو وضعفا، ودنيا من القبر وأصبحا منه قاب قوسين؛ أنكر جميلهما وقابلهما بالغلظة، وجحد حقيهما، وجعلهما في مكان من الذلة والصغار لا يعلمه إلا الله؛ لذلك حذره الله تعالى غاية التحذير في تعامله معهما؛ حتى كلمة أف لا يسمح له أن يقولها، ولا أن تصدر منه.
فقل لي بالله أيهما أعظم: كلمة أف، أم الذين جحدوا حقوق الوالدين، وعقوهما وقاطعوهما، وجعلوا جزاءهما الشتم والغلظة والقطيعة.
معاشر المؤمنين: لقد حذر الشرع من عقوق الوالدين حتى عده من الكبائر الموبقة التي توجب سخط الله وعذابه في الدنيا قبل الآخرة. عن عبد الله بن عمر قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: (ثلاثة لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجلة، المتشبهة بالرجال، والديوث، وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى) رواه أحمد.
ولقد استنكرت العرب في جاهليتها وفي إسلامها العقوق، وتوجعت منه، وتظلمت وتبرمت، .
إنها -يا عباد الله-: مأساة ما بعدها مأساة؛ ولذلك عد الإسلام بر الوالدين من أعظم الحقوق. عن ابن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) قال: "حدثني بهن، ولو استزدته لزادني" متفق عليه.
فانظروا كيف قدم النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، وهذا يدل على أن له منزلة عظيمة تفوق التضحية بالمال والنفس في كثير من الأحيان.
ويحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل من بني إسرائيل كان بارا بوالديه، وكان هذا البر سبب نجاته من الموت داخل الغار المغلق بالصخرة؛ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فناء بي في طلب شيء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، .... -ثم ذكر قصة صاحبيه- .... فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون) رواه البخاري.
عباد الله: إن العقوق جريمة وجدت في المجتمعات، وأصبحت من أكبر المشكلات التي تؤرق الآباء والأمهات، فقد رأينا ورأى غيرنا آباء طعنوا في السن وأصابتهم الشيخوخة، وهم يتباكون ويتضرعون ويتوجعون لهذه الذرية الظالمة العاتية، فهل من عودة يا شباب الإسلام إلى الله؟ وهل من عطف وحنان؟ وهل من خفض جناح؟ وهل من بر مع الآباء والأمهات؟
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك). قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك). قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك). قال: ثم من؟ قال: (ثم أبوك) متفق عليه.
عباد الله: إن من ثمار بر الوالدين: أن يهديك الله سواء السبيل، وأن يصلح الله لك ذريتك، وأن يمدك بعون منه، وأن يرزقك قبولا في الناس، وأن يمتعك متاعا حسنا، وأن يسددك في أقوالك وأفعالك، ثم يجزيك في الجنة الجزاء الأوفى.
وإن من نتائج العقوق: اللعنة من الله: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} [محمد: 22، 23]. قال بعض أهل العلم: "أصمهم فلا يسمعون ولا يستفيدون، وأعمى أبصارهم فلا يتدبرون ولا يعقلون".
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قاطع) متفق عليه.
ومن قطع رحمه قطع الله حبله من السماء، وقطع ذمته وعهده؛ ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه، قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاقرؤوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}) متفق عليه.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد:
معاشر المؤمنين: إن بر الوالدين ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو منهج حياة، يبدأ من الصغر ويستمر حتى الممات، بل وبعد الممات.
{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 23، 24]
لقد بينت الآية الكريمة أدق تفاصيل التعامل معهما، خاصة عند الكبر:
وبالوالدين إحسانا: هذا هو الإحسان العام ويشمل كل أنواع الخير والمعروف.
النهي عن أقل الإساءة: إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف. "أف" هي كلمة تضجر واستياء بسيطة، فإذا كان الله قد نهى عن أقل الكلمات، فما بالكم بما هو أكبر من القول من رفع الصوت أو العبوس أو الغلظة!
القول الكريم واللين: وقل لهما قولا كريما. أي قولا حسنا طيبا، لينا لطيفا، يدل على المحبة والاحترام.
التواضع والرحمة: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة. التواضع لهما والرحمة بهما كما كانا يرحماننا ونحن صغار.
الدعاء لهما: وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. دعاء دائم بالرحمة والمغفرة، وهو بر لا ينقطع حتى بعد مماتهما.
ومن برهما في حياتهما أيضا:
الإنفاق عليهما وإسعادهما بالهدايا دون انتظار أن يطلبا.
وتخصيص وقت للجلوس معهما والاستماع إليهما، فالأنس بهما بر عظيم.
والاتصال والتواصل المستمر والسؤال عن حالهما، خاصة لمن يعيش بعيدا.
وتلبية الحاجات والمبادرة لقضاء حوائجهما دون تذمر أو تأفف.
وإكرام أصدقاء الأب، وصديقات الأم، وهذا من تمام البر.
ومن برهما بعد مماتهما:
التصدق عنهما، وجعل ثوابها لهما.
وقضاء الديون إن كانت عليهما ديون أو كفارات.
وتنفيذ وصاياهما المشروعة التي لا تخالف الشرع.
وصلة أهلهما وأقاربهما التي لا توصل إلا بهما.
عباد الله: وهنا رسالة إلى كل ابن وابنة: تذكروا أيها الأحباب أن الأيام دول، والجزاء من جنس العمل، بروا آباءكم تبركم أبناؤكم. إن بر الوالدين سلف ودين، فما تزرعه اليوم تحصده غدا في معاملة أولادك لك.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

