أيُّ الغادِينَ وأيُّ الناسِ أنت؟

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..

هل فكرت وتساءلت يوما عن الهدف من وجودك؟ إلى أين أنت ذاهب؟ وما الغاية من خلقك في هذا الكون؟ قد تدور هذه الأسئلة في ذهنك، والجواب عليها يكمن في حكمة الله سبحانه وتعالى، الذي خلق كل شيء في هذا الكون لحكمة عظيمة، فكما أن الشمس تشرق لتنير الأرض، والمطر ينزل ليحيي الزرع، وكل شيء في الكون يتحرك وفق مشيئته وحكمته، فما بالنا نحن البشر؟ هل خلقنا فقط لنأكل ونشرب، ونتنعم بالملذات الدنيوية؟ أم أن هناك غاية أسمى وراء وجودنا وخلق الله لنا؟ إن الجواب على هذا السؤال جاء بوضوح في كتاب الله تعالى، حيث يقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون}(الذاريات:56).
فالعبادة هي الغاية التي خلق الله من أجلها الإنسان وجميع المخلوقات، مع العلم أن العبادة التي خلقنا الله لأجلها ميدان واسع، وشاملة لكل ما يرضي الله من الأقوال والأفعال، كما قال ابن تيمية: "العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والدعاء والذكر"..فالغاية التي خلقنا الله عز وجل من أجلها هي عبادته سبحانه، وهذه العبادة تشمل كل جانب من جوانب الحياة..

ومع ذلك، فالناس صنفان: صنف سارع إلى عبادة الله وطاعته، وصنف آخر أعرض عن طاعة الله وسار وراء شهواته ونزواته، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذين الصنفين بقوله لما مرت عليه جنازة: (مستريح ومستراح منه، قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب) رواه البخاري. فالعبد المؤمن الذي عاش حياته عابدا طائعا لله بعد موته يستريح من تعب الدنيا بدخوله في رحمة الله ورضوانه، وأما العبد الفاجر -وهو العاصي أو الكافر- فيستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب، بالخلاص من فجوره وشروره..
فأي الناس أنت؟ مستريح أم مستراح منه؟ وأي الغاديين أنت وأنا؟ فكلنا نسير في هذه الحياة، وكل واحد منا بائع نفسه، إما أن يعتقها بعبادة الله وطاعته، أو يوبقها بالمعاصي، حدد موقعك، واعرف أين تقف، فكل منا لا محالة من أحد هؤلاء الغادين.

عباد الله: من الناس من يغدو فيهلك نفسه بالإشراك بالله، يطلب المدد والعون والغوث من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، إن أصيب بمصيبة أو مرض لم يذهب ولم يلجأ إلى الله ويطلب الأسباب الشرعية من الرقية النبوية والذهاب لطبيب يعالجه، بل يذهب يطلب البركة والشفاء من الاولياء والأضرحة، أو يذهب إلى السحرة والدجالين والمشعوذين والعرافين، وينسى ويخالف قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) رواه الترمذي، وقوله: (من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) رواه أبو داود
وفي مقابل من يغدو فيهلك نفسه بالإشراك بالله، غاد آخر يعتق نفسه بتوحيده لله عز وجل، إن حلف فبالله، وإن تكلم فبذكر الله، وإن استعان وسأل فبالله ومن الله، وإن أصيب بمصيبة أو مرض صبر ورضي ولجأ إلى الله، ثم طلب الأسباب الشرعية من رقية نبوية وطبيب ودواء، لا الأسباب الشركية من الذهاب للسحرة أو المشعوذين، فهو غاد في حفظ الله بتوحيده لله، فأي الغاديين أنت؟ فكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها..

وصنف آخر من الناس يغدو فيقدم مراد الله عز وجل على شهواته وعاداته، ويجعل النجاة في الآخرة همه الأول، فيقدم ويؤثر أوامر الله على كل ما تهواه نفسه، ويسعى جاهدا للفوز في الآخرة، كما قال الله تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا}(الإسراء:19)، ووالله! لن يسعد إنسان حتى يقدم أوامر الله على كل هوى في نفسه، ويؤثر الآخرة على الدنيا، فينال الأجر العظيم من الله، وتحل السعادة في قلبه، قال صلى الله عليه وسلم: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة) رواه الترمذي.
وأما الصنف المقابل لمن يقدم مراد وأمر الله ويؤثر آخرته على دنياه، فهو صنف من الناس يغدو وقد جعل الدنيا أكبر همه، وقدم شهوات نفسه على مراد الله، فيبحث عما يتماشى مع رغباته، وما وافق هواه أصبح في رأيه هو الحق، وما خالفه هو الباطل الذي يعرض عنه حتى لو كان ذلك في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسعى للدنيا بكل ما أوتي من قوة ويؤثرها على الآخرة، فيعيش في ضلال وشقاء، قال الله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}(الجاثية:23). وقال صلى الله عليه وسلم: (ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) رواه الترمذي.
فأي الغاديين أنت؟ هل أنت من الذين يقدمون مراد الله على شهواتهم وأهوائهم، ويسعون للآخرة مبتغين رضا الله؟ أم أنك من أولئك الذين يطغى حب الدنيا على قلوبهم فيؤثرونها على الآخرة، ويضعون شهواتهم فوق أوامر الله؟!! كل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد:

من أي الغادين أنت في صلاتك؟
هناك غاد يغدو فيترك الصلاة ويتبع الشهوات فيهلك نفسه، وكأنه لم يسمع قول الله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}(مريم:59)، ولم يعرف قول الله: {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون}(الماعون:4-5)، وقوله سبحانه: {ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين}(المدثر:42-43). فالصلاة ركن هام من أركان الإسلام، وهي أمانة عظيمة، ويل لمن ضيعها، وقد نجد من يصليها في بيته ولا يحرص على الجماعة في المسجد، فيفوت بذلك أجرا عظيما، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "من سمع "حي على الفلاح" فلم يجب، فقد ترك سنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه الطبراني، فهذا غاد يغدو فيهلك نفسه بإضاعته للصلاة..
وفي المقابل، هناك من يغدو فيعتق نفسه بالمحافظة على الصلوات، ويحرص على صلاة الجماعة في المسجد، فيعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح، وما خطا خطوة إلا كتب له بها حسنة، ولا رفع أخرى إلا ورفع عنه سيئة، وما جلس من مجلس إلا وملك موكل به يقول: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"، حتى تقام الصلاة..
ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير يقول أبناؤه: كان كثيرا ما يقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قالوا: وما الميتة الحسنة يا أبتاه؟! قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد، وتحل به سكرات الموت، ويسمع نداء: الله أكبر، حي على الصلاة، فماذا كان منه؟ قال: أقعدوني واحملوني إلى المسجد، قالوا: قد عذرك الله، مريض في سكرات الموت، قال: أسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا أجيب، فأسندوه وأوصلوه إلى المسجد، فصلى معهم صلاة المغرب حتى الركعة الأخيرة، فسجد فكانت السجدة الأخيرة.
وهذا سعيد بن المسيب وهو في سكرات الموت وبناته الصغار حواليه يبكين، فيقول لهن: "أحسن الظن بالله، فوالله! ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد ستين سنة".
وها هو حاتم الأصم فاتته الصلاة يوما، فذهب أهل المسجد يعزونه في جماعة فاتته، هكذا كانوا فأي الغادين أنت؟!!

وختاما، عباد الله: كونوا من الغادين الذين يعتقون أنفسهم بتحقيق توحيد الله في أقوالهم وأعمالهم وحياتهم، ويقدمون مراد الله وأوامره على أهوائهم ورغباتهم، ويؤثرون الآخرة على الدنيا، ويحافظون على الصلاة ويحرصون على صلاة الجماعة في المساجد، واجعلوا حياتكم في طاعة الله وابتغاء مرضاته، وتذكروا أن الناس صنفان: مستريح ومستراح منه، وغاد يغدو فيوبق نفسه ويهلكها ويدخلها النار، بينما آخر يغدو فيعتق نفسه فيدخلها الجنة..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة