الإحسان في حديث جبريل

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله على ما أولى وأنعم، وله الشكر على ما دفع وألهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌حق ‌تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌ولتنظر ‌نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) ‌يصلح ‌لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
 
أما بعد؛
عباد الله: روى الإمام مسلم في صحيحه: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.
أيها المسلمون: سأل جبريل عليه السلام نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: فأخبرني عن الإحسان، فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). هذه منزلة عظيمة هي ذروة سنام هذا الدين؛ الإسلام أعمال الجوارح، والإيمان أعمال القلوب، والإحسان كمال يجمع بينهما؛ أن تعبد الله على المراقبة والحضور، كأنك تراه رأي العين، فإن لم تصل إلى هذه الدرجة فاعبد الله على استحضار أنه يراك ويطلع عليك. تأملوا قوله تعالى: {ألمۡ تر أن ٱلله يعۡلم ما في ٱلسموت وما في ٱلۡأرۡضۖ ما يكون من نجۡوى ثلثة إلا هو رابعهمۡ ولا خمۡسة إلا هو سادسهمۡ ولآ أدۡنى من ذلك ولآ أكۡثر إلا هو معهمۡ أيۡن ما كانواۖ ثم ينبئهم بما عملوا يوۡم ٱلۡقيمةۚ إن ٱلله بكل شيۡء عليم} [المجادلة: 7]. وقوله سبحانه: {ٱلذي يرىك حين تقوم * وتقلبك في ٱلسجدين *} [الشعراء: 218-219] من استقر في قلبه هذا المعنى استحيا من ربه، وترك المعصية خفية وجهرا، وأحسن عمله في السر والعلن.
عباد الله: الإحسان ليس خاصا بباب دون باب كباب الصلاة مثلا، بل مطلوب في كل باب من أبواب الحياة، إحسان في المعاملة، وإحسان في العمل، وإحسان في بر الوالدين، وإحسان في تربية الأولاد، وإحسان في حق الجار، أي استحضار رقابة الله تعالى في كل ذلك وغيره، قال تعالى: {إن ٱلله يأۡمر بٱلۡعدۡل وٱلۡإحۡسن وإيتآيٕ ذي ٱلۡقرۡبى وينۡهى عن ٱلۡفحۡشآء وٱلۡمنكر وٱلۡبغۡيۚ يعظكمۡ لعلكمۡ تذكرون} [النحل: 90]. وقال تعالى: {وأحۡسنوٓاۚ إن ٱلله يحب ٱلۡمحۡسنين} [البقرة: 195]. وقال صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رواه مسلم. في هذا الحديث يقرر النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الإحسان في كل ميدان، وعلى كل شيء، حتى بالحيوان الذي لا يعقل!
عباد الله: لو استحضرنا مراقبة الله في هواتفنا وشاشاتنا التي نختلي بها، وفي تجاراتنا ومعاملاتنا، وفي خلواتنا قبل جلواتنا؛ لزال كثير من الفساد، ولانطفأ أكثر ما نشكو منه من التفريط والضياع، وإنما يجرئ العبد على المعصية غفلته عن عين الله التي لا تنام، ولكنه سبحانه يقول: {والله من ورائهم محيط} [البروج:20]، ويقول: {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد:4]، وكم من معصية يرتكبها الإنسان وحده في ظلمة الليل، أو خلف أبواب مغلقة، أو خلف شاشة خفية، ولو تذكر أن الله يراه، ويسمع كلامه، ويطلع على سره ونجواه؛ لوجل قلبه، وارتعدت جوارحه، وانكسرت شهوته، وانصرف عن الحرام حياء من رب العالمين.
إن الإحسان -عباد الله- يبدأ من هذا المقام العظيم، مقام المراقبة؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت) رواه الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: (أوصيك أن تستحي من الله كما تستحيي من الرجل الصالح من قومك) رواه أحمد في الزهد. فإذا غابت المراقبة، سقطت الاستقامة، وإذا حضر الشعور برقابة الله تعالى؛ صلح الظاهر والباطن، واستقام القلب والجوارح.
تأملوا قول النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) رواه البخاري ومسلم؛ لأنه لم يكن يراه أحد، ولم يطلب سماع الناس ومدحهم، إنما راقب الله وحده؛ فاستحيا وانكسر.
أيها المؤمنون: لو زرعنا معنى المراقبة في أبنائنا وبناتنا، وفي بيوتنا وأسواقنا، وفي أعمالنا وتجاراتنا؛ لتبدل حالنا، ولرأينا أثر الإحسان في الأمة كلها.
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله رب العالمين، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
عباد الله: بعد أن سأل جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان، سأل عن الساعة فقال: أخبرني عن الساعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، إشارة إلى أن علم الساعة غيب اختص الله به، لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34]. لكن جبريل سأل عن أماراتها، فقال صلى الله عليه وسلم: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان). أن تلد الأمة ربتها: قيل: هو انتشار السبايا في أول الإسلام، فتلد الأمة يلدن من يكون سيدا لأمه. وقيل هو أن يكثر العقوق؛ فتعامل الأم كأنها خادمة لابنتها، تأمرها البنت وتنهى، وترفع صوتها، وتقدم الزوج والأصدقاء عليها، حتى كأن الأمة ولدت من يتسلط عليها. قال صلى الله عليه وسلم: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان): أي ترى أهل الفقر والجهل والحاجة، الذين كانوا يرعون الغنم حفاة عراة، يتنافسون في ارتفاع المباني وزخرفتها، ويتطاولون في البنيان، بدل أن يتنافسوا في العلم والإيمان والعمل الصالح. هذه العلامات وغيرها مما ورد في الأحاديث، ليست لمجرد الفضول الإخباري، بل هي جرس إنذار للمؤمن؛ حتى لا يركن إلى الدنيا، ولا يغتر بزخرفها، فيعلم أن الدنيا مراحل تمضي، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وقد دنت واقتربت.
عباد الله: الإحسان وأشراط الساعة وجهان لموعظة واحدة: إذا علمت أن الله يراك، وأن الساعة قادمة، وأن الموت قريب، استحييت من الله تعالى، واستعددت للقاء الله تعالى، وجعلت كل يوم يمر عليك فرصة جديدة للتوبة والاستدراك .
 
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة