- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
ثم أما بعد، أيها المسلمون:
إن الحياة تحت ظل الإسلام حياة الهدى والنور، حياة النعيم والسرور، فمن عاش تحت ظل الإسلام وبالإسلام، عاش على نور، ومات على نور، ولقي الله بنور: {نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء}(النور:35). إذا جاء يوم القيامة قسمت الأنوار بين المؤمنين والمنافقين، فالمؤمنون يعبرون بنورهم الصراط، أما المنافقون فسرعان ما تنطفئ أنوارهم فهم في ظلمات لا يبصرون، ينادون المؤمنين: {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم}(الحديد:13)
لا يستوي عاقل كلا وذو سفه لا والذي علم الإنسان بالقلم
هل يستوي من على حق تصرفه ومن مشى تائها في حالك الظلم
إن الحياة تحت ظل الإسلام وبالإسلام، حياة كلها دروس يسعد بها المسلم في حياته وآخرته إن هو أخذ بها وعمل بما فيها.
أول وأعظم هذه الدروس: التوحيد، فهو غاية الرسالات السماوية، وأساس الإسلام، ومفتاح دار السلام، وشعار المسلم في حياته: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له}(الأنعام:162-163)، ومن ضل عن التوحيد خسر دنياه وأخراه، قلبه لا يفقه، وعينه لا تبصر، وأذنه لا تسمع، حياته ضنك، وسعيه مردود، وذنبه غير مغفور: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}(النساء:48)، {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار}(المائدة:72). وفي المقابل من ظفر وعاش بتوحيد الله فقد ربح وسعد في الدنيا والآخرة، فسعيه مشكور، وذنبه مغفور، وتجارته لن تبور، قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا}(الكهف:107)..
والتوحيد "لا إله إلا الله" هو الأصل والركيزة الأساسية في الإسلام، وهو أول وأعظم واجب وحق لله على العباد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: (يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) رواه البخاري.
وبالتوحيد تفتح أبواب الجنة، بما فيها من نعيم لم تره عين، ولا خطر على قلب بشر، ولا يدخل الإنسان في الإسلام إلا بهاتين الشهادتين: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله"، فهما متلازمتان، والتوحيد معناه: الإيمان بوحدانية الله، فلا شريك له في ملكه وتدبيره، الذي دلت النصوص والعقول على أنه لا نظير له سبحانه في ربوبيته، ولا مثيل له في إلهيته وأسمائه وصفاته: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(الشورى:11).
ومن هذه الدروس والمعاني التي تركها وعلمها لنا الإسلام لنسعد بها في دنيانا وأخرانا:
أن بلسم الجراحات والآلام هو الإيمان بالقضاء والقدر، أحد أركان الإيمان، فالمؤمن الذي استقر الإيمان بالقضاء والقدر في قلبه، يعلم ويوقن أن أمره كله خير، كما قال صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له) رواه مسلم، ويعلم كذلك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه كما قال صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) رواه الترمذي.
وبهذا المعنى من معاني الإيمان بالقضاء والقدر، يصبر المؤمن على البلاء ويرضى بالقضاء، ويعيش مطمئن القلب ساكن النفس، ويسعد في حياته وآخرته، ويظهر عظيم أجره على صبره ورضاه يوم حشره، حين تنصب الموازين وتوزن الأعمال، ويتمنى أهل العافية في الدنيا لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض، لما يرون من عظيم ثواب أهل البلاء الذين صبروا ورضوا بقضاء الله وقدره، قال صلى الله عليه وسلم: (ليودن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قرضت بالمقاريض، مما يرون من ثواب أهل البلاء) رواه الترمذي. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه، إلا الجنة) رواه البخاري، وفي الحديث الآخر: (إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد) رواه الترمذي. ويا له من جزاء للصابرين الراضين بقدر الله، جزاؤهم جنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}(البقرة:155:157).
مروا بيزيد بن هارون رحمه الله وقد عمي، فقالوا له: ما فعلت العينان الجميلتان يا ابن هارون؟ فقال: ذهب بهما بكاء الأسحار، وإني لأحتسبهما عند الله الواحد الغفار، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر، عوضته منهما الجنة) رواه البخاري.
وقطعوا رجل عروة بن الزبير رحمه الله لمرض فيها، فوقع مغشيا عليه من شدة الألم، وفي نفس الوقت ضربت دابة ابنه الكبير فقتلته، فلما أفاق قال صابرا راضيا محتسبا: "اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة فلك الحمد، وكان لي أولاد أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، فلئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت فطالما عافيت، فلك الحمد ولك الشكر"..
صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم
الإيمان بالقضاء والقدر نعمة على البشر، وبلسم وظل وارف من الطمأنينة، وفيض من الأمن والسكينة، ووقاية من الحسرة والزلل، وحافز على الأمل والعمل، فاصبر وارض بما كتب الله لك، وارض بقضائه وقدره، وامض في حياتك مقبلا على ما ينفعك، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان) رواه مسلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله..
أما بعد، عباد الله:
من الدروس كذلك التي علمنا إياها الإسلام لنسعد بها في دنيانا وأخرانا: أن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، فمن أحسن، أحسن الله إليه، ومن يسر يسر الله عليه، ومن نصر أمر الله ودينه نصره الله، ومن ذكر الله ذكره الله، قال تعالى: {إن تنصروا الله ينصركم}(محمد:7)، وقال عز وجل: {فاذكروني أذكركم}(البقرة:152)، وقال سبحانه: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}(الرحمن: 60).
فالجزاء من جنس العمل، قال صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي، وقال: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري، وفي المقابل: (من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته) رواه أبو داود، وقال صلى الله عليه وسلم: (من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه) رواه أبو داود.
ومن صور الجزاء من جنس العمل: بر الوالدين، فمن بر والديه بره أولاده، ومن عق والديه إن لم يبادر بالتوبة والإحسان لوالديه، فلا يظنن أن عقوقه سيمر دون أثر، بل سيذوق من العقوبة في حياته ما يذله، إما بعقوق مماثل من أولاده، أو خذلان في مواطن الشدة، أو تعثر في الرزق، وضيق في الصدر، وشتات في الحال، والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، قال صلى الله عليه وسلم: (بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق) رواه الحاكم.
وقال وهب بن منبه رحمه الله: "إن الله تعالى قال: يا موسى! وقر والديك، فإنه من وقر والديه مددت له في عمره، ووهبت له ولدا يبره، ومن عق والديه قصرت عمره، ووهبت له ولدا يعقه".
حصادك يوما ما زرعت وإنما يدان الفتى يوما كما هو دائن
إن زرعت خيرا حصدت خيرا وإن زرعت شرا حصدت مثله
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).

المقالات

