- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
ثم أما بعد، أيها المسلمون:
إن أخطر ما يواجهه المسلمون عبر العصور هو كيد المنافقين، الذين يظهرون المودة ويبطنون الحقد ويتربصون بالإسلام والمسلمين، إنهم العدو الخفي الذي يجب أن نحذر منه، لأنهم أشد خطرا من غيرهم، فمكرهم وكيدهم أشد خطورة من أعداء الإسلام الظاهرين، وقد قال الله تعالى عنهم: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}(النساء:145).
والنفاق على نوعين: أكبر وأصغر، فالنفاق الأكبر هو من يبطن الكفر ويظهر الإسلام، يبطن الكفر ويظهر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا هو النفاق الذي نزل القرآن بذم أهله والتحذير منهم وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار. والقسم الثاني: النفاق الأصغر، وهو ليس في أصول الإيمان، ولا يحمل صاحبه في نفسه كرها للإسلام والمسلمين أو الكيد لهم، ولكنه يتصف ببعض صفات المنافقين من الكذب والخيانة وخلف الوعد، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) رواه البخاري.
وخطبتنا اليوم عن الصنف الأول وخطورته، وهم المنافقون الذين يبطنون العداء والحقد على الإسلام والمسلمين، ويظهرون الحب للإسلام وأنهم من المسلمين، وهذا النفاق الأكبر بدأ منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمر إلى يومنا هذا..
لقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للإيذاء من الكافرين والمنافقين، فرموه بأبشع التهم، وقالوا عنه ساحر ومجنون، ووضعوا الشوك والقذر في طريقه، وسلا الجزور على ظهره، بل تآمروا على قتله، وهو أفضل الخلق وأعظم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم.. كما لم ينج صحابته الكرام من كيد الأعداء وإيذائهم، ومع ذلك ثبتوا صابرين في سبيل الله، وبذلوا أرواحهم وأموالهم لتعلو راية الإسلام، وكانوا كما وصفهم الله: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}(الأحزاب:23).
وهذه العداوة بين الإسلام وأعدائه من الكافرين والمنافقين قديمة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وظهور الإسلام، وحسبنا قول الله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء}(البقرة:105)، وقوله سبحانه: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق}(البقرة:109)، وقوله عز وجل: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}(البقرة:120)..
ومع مرور الزمن، تطورت هذه العداوة، فظهرت تارة بشكل واضح، وأحيانا بأشكال وأساليب جديدة مستترة، وذلك لأن أعداء الإسلام علموا أن مواجهة المسلمين في عقيدتهم لا يزيدهم إلا قوة وصلابة، وعندما يصادمون ويحاربون في دينهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، يزدادون تمسكا بدينهم وسنة نبيهم، فبدلا من المواجهة المباشرة، لجأ أعداء الإسلام من الكافرين والمنافقين إلى أساليب خداع جديدة، وأقنعة ماكرة، انطلت على بعض السذج، ولكن فطن لها أهل العلم والإيمان، فبادر الصادقون بتحذير الأمة، شبابا وشيبا، رجالا ونساء، من هذه الأساليب الملتوية، وكشفوا زيفها وباطلها، ليميزوا الحق من الباطل..
والمنافقون ـ قديما وحديثا ـ هم الخطر الأكبر، لأن العدو الظاهر أهون من العدو الباطن، ومن هنا وجب الانتباه لضررهم، والتحذير من شرهم وخطرهم، فالخطر الكبير والحقيقي يكمن في هؤلاء المنافقين الذين يظهرون المحبة بينما يخفون في قلوبهم الحقد والعداء
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب
عباد الله:
لقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وقامت دولته، فأصبح الناس معه على فئات ثلاث: مؤمنين وكافرين، وهؤلاء شأنهم واضح، والفئة الثالثة المنافقون، ومن المنافقين نال النبي صلى الله عليه وسلم أذى عظيما، فما ترك المنافقون شاردة ولا واردة يقدرون على صرفها لمعاداة الإسلام والمسلمين إلا فعلوها، حتى بلغ بهم الأمر أن اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالزنا، بما يعرف في كتب السيرة النبوية بحادثة الإفك، والذي كان القصد منه النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته الأطهار، لإحداث الاضطراب والخلل في المجتمع الإسلامي، بعد أن فشلوا في إثارة النعرة الجاهلية، لإيقاع الخلاف والفرقة بين المسلمين، وكان من فضل الله ورحمته أن كشف زيف هذا الافتراء والإفك، فقد برأ الله عز وجل عائشة رضي الله عنها بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، يتعبد المسلمون بتلاوته قال الله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم}(النور:11)، وأبقى دروسها وفوائدها، لتكون عبرة وعظة للأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومنها الحذر من المنافقين وأساليبهم..
معاشر المؤمنين، بعد أن يئس الكفار وعجزوا عن تحريف القرآن الكريم، الذي تولى الله عز وجل حفظه، كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(الحجر:9)، حاولوا تشويه السنة النبوية، لكن الله بفضله قدر لها رجالا من العلماء والفقهاء الذين حفظوها وأوضحوا الصحيح من الضعيف، فلما أدرك الأعداء أنه لا سبيل لهم إلى الكتاب والسنة، تحولوا إلى الطعن في الصحابة الكرام رضي الله عنهم، الذين نقلوا لنا الوحي وأحكام الدين، فالطعن في الصحابة هو طعن في الإسلام نفسه، لأنهم هم من حملوا هذا الدين ونقلوه إلينا، وقد شهد الله لهم بالعدالة والخيرية، قال الله تعالى عنهم: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم}(الأنفال:74)، وقال سبحانه: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا}(الفتح:18)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) رواه البخاري، بل وشبههم بالنجوم التي يهتدى بها، فقال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) رواه مسلم، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الوقوع فيهم أو في أحدهم فقال: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري، فكيف يتجرأ أحد على الطعن فيمن شهد لهم الله ورسوله بالفضل والخيرية والعدالة، وهم الذين كانوا دروعا واقية وحافظة للإسلام والأمة؟! ومع ذلك، لا يتوقف المنافقون عن محاولاتهم الرخيصة للنيل منهم، محاولين تشويه هؤلاء العظماء، وأنى لهم ذلك، فهم أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، وهم الذين حملوا ونقلوا الإسلام إلينا..
فالعداوة للإسلام والمسلمين وللنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة رضوان الله عليهم قائمة منذ بداية نزول الوحي وظهور الإسلام، وقد أخذت هذه العداوة في أيامنا وزماننا ألوانا جديدة وأساليب ملتوية، يفهمها ويفطن لها أصحاب الفطر السليمة والعقول الصحيحة..
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
المنافقون، في كل زمان ومكان، وقديما وحديثا، متشابهون، وهم خطر عظيم، وخنجر في ظهور المسلمين، يظهرون خلاف ما يبطنون، يدعون حبهم للإسلام وهم له مبغضون، وله ولأهله يكيدون، وهم الطابور الخامس الذي يعيش في داخل المجتمعات الإسلامية ويحوي ويجمع الحقد والتآمر والمكيدة للإسلام، ولهذا قال الله تعالى عنهم: {هم العدو فاحذرهم}(المنافقون:4).
فاعلموا ـ عباد الله ـ أنكم ودينكم وأولادكم وأخلاقكم وقيمكم مستهدف منهم، فإنهم يهدمون الدين والقيم بأقلام وألسنة ماكرة على وسائل الإعلام والتواصل، تستهدف ثوابت الإسلام، وتنتقص من الصحابة وأصول الدين، وتزين الرذيلة، وتختبئ خلف لافتات براقة خادعة كـ"حرية الرأي"، و"الإصلاح والتجديد"، والعقلانية والإبداع"، وما هي في الحقيقة إلا سهام مسمومة وأقلام مأجورة، موجهة إلى دين الإسلام، وإلى القرآن الكريم، وإلى سنة سيد المرسلين، وإلى مقام الصحابة الطاهرين، وإلى أصول الشريعة المطهرة، وقد وصف الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم هذا الصنف من المنافقين وصفا دقيقا، فقال في حديث طويل لحذيفة رضي الله عنه: (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال حذيفة: صفهم لنا يا رسول الله؟ قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) رواه البخاري.
فأي فكر هذا الذي يحملونه ويحاولوا نشره يشجع على إساءة الأدب مع الله عز وجل؟!
وأي فكر هذا الذي يغمز في السنة النبوية المطهرة، ويطعن ويشكك في حجيتها؟ وببرر الطعن في الصحابة الكرام؟!!
وهل الترويج للتبرج والاختلاط، والدعوة إلى الرذيلة صار من حرية الرأي والفن والإبداع؟!
لا ورب الكعبة، ما هذا بحرية ولا فكر ولا إبداع، بل هو زيف وبهتان، وغواية في ثوب الهداية، وهو أسلوب من أساليب المنافقين، وسهام مسمومة يرمى بها الإسلام والمسلمون، والمؤلم والخطير أن هذه السهام لم يعد يرمى بها من أيدي أعداء الإسلام الظاهرين، بل يتولاها ويشعل نيرانها بين الحين والآخر رجال من بني جلدتنا، يتسمون بأسمائنا، ويتكلمون بألسنتنا، قال الله تعالى عنهم وعن أشباههم: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد}(البقرة:204-206)..
فاحذروا ـ عباد الله ـ من تلك الدعوات المضللة التي يطلقها ويروجها أعداء الإسلام في الداخل والخارج، وتمسكوا بدينكم وسنة نبيكم بفهم صحابة نبيكم وسلفكم الصالح ففي ذلك سعادتكم في الدنيا والآخرة..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).

المقالات

