خيركم خيركم لأهله، وحُسْن المعاشرة الزوجية

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.. ثم أما بعد، أيها المسلمون:

ما أجمل البيوت حين تبنى على المودة والرحمة، وما أطيب الحياة الزوجية حين تكون سكنا وراحة، إن العلاقة بين الزوجين ليست مجرد ارتباط بين رجل وامرأة، بل هي أساس للطمأنينة، ومصدر للسعادة، ومفتاح لاستقرار للأسرة والأولاد والمجتمع، وقد قال الله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}(الروم:21)، فالزواج سكن وطمأنينة، ومودة ورحمة، وهو من حكمة الله فيما يصلح النفوس والحياة..
ولكننا نرى اليوم في بعض البيوت خلاف ذلك، فبدل السكن والطمأنينة، نجد الخصام والقلق، وبدل الرحمة والمودة، نجد الغلظة والقسوة، وبدل حسن الحوار وطيب الكلمة، نجد الشتم والعبارات السيئة، فلماذا يحدث هذا في بيوت بعضنا والله تعالى يقول: {لتسكنوا إليها}..
لا شك أن المشكلات الزوجية متعددة، ولكل طرف من الزوجين نصيب منها، ولكل منهما مسئوليته التي ينبغي قيامه بعدم إيجاد هذه المشكلات وحلها إن وجدت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري.
ولكننا سنركز الحديث ونخص الأزواج به لعظم مسئولية الرجل، فالزوج هو القائد في بيته، والممسك بزمام الأسرة، ومسئوليته أعظم ودوره أكبر..

عباد الله: إذا كان الرجل هو القائد في بيته، والمسؤول الأول عن تحقيق السكن والمودة، فإن من أعظم صور التقصير أن يتحول هذا القائد إلى مصدر خوف وقلق لأهله، بدل أن يكون لهم أمانا ورحمة، وإذا كان الله قد جعل الزواج سكنا ومودة ورحمة، فإن الواقع اليوم يكشف عن صور مؤلمة تخالف هذا المقصد العظيم، فقد كثرت الشكاوى والرسائل التي ترد إلى برامج الفتاوى والاستشارات، تفيض بالألم من سوء معاملة الأزواج لزوجاتهم، وما نراه في المحاكم من قضايا خلع وطلاق شاهد على ذلك، ومن العجيب أن بعض هذه المشكلات تصدر من رجال عرفوا بحسن العبادة والأخلاق والمعاملة وبشاشة الوجه خارج بيوتهم، فإذا دخلوا منازلهم تغيروا، فعبست جوههم، وأخذوا يأمرون وينهون بغلظة، ويرعدون ويزمجرون، فنقول لهم: أليس بيتك وزوجتك وأولادك أحق وأولى الناس بحسن خلقك ورفقك ورعايتك؟!

ومن الأمثلة في سوء معاملة بعض الأزواج لزوجاتهم: أن يدخل الرجل بيته عابسا، أو يفتتح كلامه بالسب والشتم لأمر يسير لم يعجبه، وينسى أن زوجته هي أم أولاده، وربة بيته، ومربية أطفاله، تعمل ليل نهار في خدمة بيتها وتربية أولادها، فكيف تلام على تقصير يسير مع كثرة أعبائها؟! ولا يعني هذا تبرير عصيان الزوجة، أو إهمال بيتها وأولادها، بل المقصود مراعاة حالها والتماس العذر لها، وكم من أسرة تهدمت لأجل خطأ بسيط من الزوجة، أو تأخر منها في إعداد طعام ونحوه! فأي عقول هذه التي تهدم بيتا وأسرة، وتشتت أولادا لأجل أمور لا تساوي شيئا؟!

فنقول لكل زوج رأى من زوجته ما يغضبه: يا أخي الكريم، هل تظن أن صيحاتك وكلماتك الغاضبة تصلح حالها وتغير ما حدث؟ لا والله، بل تزيد الأمر سوءا، وتورث في قلبها الكراهية والعناد، فالأولى والصحيح أن تعالج الخطأ بالحكمة والرفق، فتبين لها خطأها، وتدعوها لعدم العودة إليه، وتفتح معها باب التصحيح في المستقبل..
وانظروا إلى نبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، كيف كان في بيته؟ كان يحسن معاملة زوجته وأهله، ويوليهم عناية ومحبة، فكان مع زوجاته حنونا ودودا، تجلت فيه العواطف والمشاعر في أسمى مظاهرها وأجملها، فكان يكرم ولا يهين، يوجه وينصح، ولا يعنف ويجرح ولا يضرب أبدا، يمازح ويداعب، ويتحمل منهن ما يصدر من طبيعة البشر، وقد أوصى أصحابه والأمة كلها بالمرأة ـ أما وزوجة وبنتا ـ فقال صلى الله عليه وسلم: (واستوصوا بالنساء خيرا) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.

ومواقفه صلى الله عليه وسلم مع زوجاته دالة على حسن خلقه وعشرته معهن، وصبره عليهن، ومن ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه: أن إحدى أمهات المؤمنين أرسلت إناء فيه طعام إلى بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فغارت عائشة رضي الله عنها فضربت الإناء فانكسر أمام النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم الطعام، وقال: (غارت أمكم) رواه البخاري، ثم أرسل إناء صحيحا من عند عائشة رضي الله عنها مكان المكسور، وقال: (طعام بطعام، وإناء بإناء) رواه الترمذي، لم يغضب، ولم يعل صوته، بل عالج الموقف بحلم وحكمة ورفق، وأمر الحاضرين أن يأكلوا وانتهى الأمر عند هذا الحد..
فالغيرة شعور طبيعي وصحي بين الزوجين، ولكنها عندما تتجاوز حدودها الطبيعية المعتدلة تنعكس سلبا على الحياة الزوجية، وتؤدي إلى مشكلات وآثار سلبية تنعكس على أفراد الأسرة جميعا، ومعلوم أن المرأة بطبعها في الغيرة أشد، ومن ثم يتطلب من الزوج الحكمة والحلم، وحسن الخلق وحكمة التعامل مع الخطأ، واحتساب أجر صبره وحلمه عند الله، والتماس العذر لزوجته ويقدر ما وراء غيرتها من حب له في قلبها، وقدوته في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم القائل: (غارت أمكم)، وقس على هذا الموقف غيره من مواقف وأحوال بين الزوجين..

عباد الله: بعد أن علمنا أن الحياة الزوجية الطيبة تقوم على المودة والرحمة، والرفق والحلم والتماس العذر، لا بد أن نقرر حقيقة واضحة وهي: أن المشكلات الزوجية ليست من طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة بين الزوجين، ولكل منهما نصيب من التقصير والخطأ، والمشكلات الزوجية متعددة الأسباب، ولو أردنا حصرها لطال بنا المقام، فهي تتنوع بين سوء الفهم، وضعف الحوار، وضغوط الحياة، وتفاوت الطباع، وكل ذلك يحتاج إلى صبر وحكمة من الطرفين.

فالحياة الزوجية السوية شراكة، لا تقوم إلا بالتعاون والتغافر، والتنازل عن بعض الحقوق طلبا لدوام الألفة والمودة، وأن نتذكر دائما الفضل والإحسان والمواقف والمعاني الطيبة بيننا، وألا نجعل الأخطاء والزلات والتقصير والهفوات سببا لهدم البيوت وتشتيت الأسرة وضياع الأولاد، وقد قال الله تعالى: {وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم}(البقرة:237)، وقال: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا}(النساء:19)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر) رواه مسلم. والمراد بالمؤمن والمؤمنة هنا الزوج والزوجة، أي لا يبغض زوج زوجته بغضا مطلقا لأجل خصلة وعيب وخطأ، بل ينظر إلى محاسنها وفضائلها ومواقفها الطيبة معه، ويغض الطرف عن عيوبها وأخطائها، فيقابل هذا بذاك، فيحمله ما رضي من الحسن، على الصبر على ما لا يرضى من السيئ، فيغفر سيئها لحسنها، ويتغاضى عما يكره لما يحب، وفي ذلك دوام لحسن العشرة والصحبة بين الزوجين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

الزوجات في حقيقة الأمر يردن المودة والرحمة والكلمة والمعاملة الطيبة، وقد قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف}(النساء:19)، ولما كان في خلق النساء ضعف بأصل خلقتهن أوصى بهن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) رواه البخاري. فالزوجة إن أردت منها الاستقامة التامة في كل أمر أدى ذلك إلى كسرها، وكسرها طلاقها، فلا سبيل إلى الانتفاع بها والسعادة معها إلا بالصبر عليها والإحسان إليها، وقد قال قال صلى الله عاليه وسلم: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) رواه مسلم.

وختاما: خير متاع الدنيا للرجل الزوجة الصالحة، التي يفرح بالنظر إليها، وبطاعتها له، عفيفة تحفظ نفسها إذا غاب عنها، وأمينة تحفظ ماله وأولاده، ألا فأحسنوا متاعكم، وأصلحوا زوجاتكم، واستوصوا بهن خيرا، لتستمتعوا بهن في حياتكم، وتذكروا أنكم يوم عقدتم مواثيق الزواج قبل دخولكم بأزواجكم، أنكم استحللتموهن بما في كتاب الله، من القيام بجميع الحقوق الزوجية، من النفقة، والسكنى، والنصيحة، والمعاملة الطيبة، والإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، ذلك العقد والميثاق الذي دخل به الرجل على زوجته، مشهود عليه من قبل الله عز وجل، ثم عاقده وشهوده المؤمنون، فكيف يسوغ لمؤمن أن يظلم نفسه بظلم أهله وزوجه؟!!
فلنتق الله مع زوجاتنا وفي بيوتنا، ولنجعلها واحة أمن وسكينة، ومأوى رحمة ومودة، وحصنا للنفوس، وروضة تغمر الأرواح بالحب والحنان، ولنحرص على الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، وحسن المعاملة، فهي مفاتيح السعادة، وأسباب دوام الألفة بين الزوجين، ولنكن على يقين أن البيت الذي تظله المودة والمحبة وتزينه الرحمة، وتعطره الأخلاق الفاضلة، هو بيت ينشأ الأولاد فيه نشأة طيبة سوية، فيكونون صالحين نافعين لأنفسهم ووالديهم، ويملؤون المجتمع خيرا وبركة..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة