- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الخطبة الأولى
الحمد لله العدل الديان الذي أقام الكون على القسط، وحرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى والميزان، ليقوم الناس بالقسط، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
اتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم أهوال يوم القيامة: الوقوف بين يدي الديان، وقد تعلقت بالعبد حقوق العباد {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18].
أما بعد؛
أيها المسلمون: إن من رحمة الله وعدله أنه لا يلقى عبد ربه يوم القيامة وقد بقيت له مظلمة، فلا تهدر عند الله مظلمة ولا يضيع لديه حق، قال سبحانه: {وما أنا بظلام للعبيد} [ق: 29]. وقال عز وجل: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} [الأنبياء: 47]. وقد صور النبي صلى الله عليه وسلم مشهد ذلك اليوم تصويرا يهز القلوب، روى الإمام أحمد وغيره: عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة -أو قال: العباد- عراة غرلا بهما. قال: قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق، حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولأحد من أهل النار عنده حق، حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عز وجل عراة غرلا بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات). وفي رواية الحاكم: (وتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} ). فذلك لا تقضى فيه الحقوق بالدراهم والدنانير، وإنما رأس المال الحسنات، والمفلس من ضيعها في ظلم الناس.
أيها المؤمنون: إن أول ما يقضى فيه بين العباد يوم القيامة هو الدماء، دم سفك ظلما، أو نفس قتلت وأزهقت بغيا، كل ذلك لا يضيع عند الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) رواه مسلم. فكم من دم توارى خبره في الدنيا لكنه حاضر في سجل السماء عند الله تعالى، سيسأل عنه القاتل، والمشارك، والراضي، والصامت مع القدرة على الإبانة، وهؤلاء كلهم مشتركون في القتل على اختلاف في درجات الإثم، فإن قتل النفس بغير وجه حق من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وقد نهى الله تعالى عنه في كتابه فقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الإسراء:33]. وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات... -وعد منها- ... قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق). فمن قتل مسلما متعمدا قتله؛ فإنه ينتظره من الوعيد ما ذكره الرب عز وجل في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93]. نسأل الله السلامة والعافية.
أيها المسلمون: ليست الدماء وحدها هي التي يقضى فيها يوم القيامة؛ بل يكون القضاء والقصاص في كل شيء، ومن ذلك القصاص في الأموال، تؤخذ الحقوق في الأموال، كل مال غصب، أو أكل بالباطل، أو سلب بالحيلة، أو منع بالمماطلة. قال صلى الله عليه وسلم: (من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه دينار أو درهم، قضي من حسناته، ليس ثم دينار ولا درهم) رواه ابن ماجه. فالحق باق بعد الموت، والحساب قائم، ولا ينفع ندم ولا حسرة إنما هي الحسنات والسيئات.
عباد الله: ثم يأتي القصاص في الأعراض، وهو أوسع الأبواب وأخفها على ألسنة الناس، وأثقلها في الميزان. قال صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم في المفلس: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقعد، فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا، أخذ من خطاياهم، فطرح عليه، ثم طرح في النار) رواه الترمذي. تفكر يا عبد الله كم من كلمة أطلقتها بلا حساب، وكم من عرض اجترأت عليه بداعي الخلاف أو السخرية، فاحذر أن يقال لك يوم القيامة: ادفع من صلاتك وزكاتك وصيامك!
عباد الله: يقع القصاص يوم القيامة في الغش والخداع والمؤامرات، فمن غش مسلما في بيع أو معاملة، أو خدعه بتزييف، أو ضلله في مشورة، فإن الله يقتص منه لصاحب الحق. قال صلى الله عليه وسلم: (من غش فليس مني) رواه مسلم.
ويكون القصاص في الوعود الكاذبة والعهود المكسورة، كأن يعد الإنسان غيره وعدا وهو يعلم أنه لا يفي، أو يبرم عقدا وهو يضمر الخيانة، أو يوكل إليه أمانة فيخونها. حتى الوعود التي استهان بها العبد، إن كانت ظلما أخذت من حسناته يوم القيامة.
أيها المؤمنون: القصاص يوم القيامة يدخل فيه أيضا: الخوض في الأعراض عبر الوسائل الحديثة، والوسائط المتنوعة، كلمات تنشر، أو تسجيلات تتداول، أو منشورات تكتب، يظن صاحبها أنها لا ترى ولا تحصى، فإذا هي يوم القيامة في كتابه. قال تعالى: {ما يلۡفظ من قوۡل إلا لديۡه رقيب عتيدٞ} [ق: 18]. فكل كلمة آذت عبدا، وكل منشور ظلم إنسانا، فهو قصاص يوم القيامة.
ويكون القصاص في تضييع الحقوق المعنوية، كالاستطالة على الضعفاء، أو إهمال حقوق الزوجة أو الأولاد، أو منع العامل أجره، أو إذلال محتاج، أو التعالي على الخلق، . قال صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول) رواه النسائي. وهذا من أعظم ما يسأل عنه العبد يوم القيامة.
ويكون القصاص في الإيذاء النفسي والتحقير والسخرية، كلمة تسخر، أو نظرة تحتقر، أو تعليق يجرح؛ كل ذلك محفوظ. قال تعالى: {فمن يعۡملۡ مثۡقال ذرة خيۡرٗا يرهۥ * ومن يعۡملۡ مثۡقال ذرةٖ شرٗا يره} [الزلزلة: 7-8]. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم). فالتحقير مظلمة، والجرح النفسي مظلمة، وكلها لا تضيع عند الله تعالى.
عباد الله: الظلم بأنواعه لا ينجو من القصاص منه أحد ولا الحيوان مع أنه غير مكلف؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه الترمذي.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، الحمد لله الذي وعد المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد،
عباد الله: إذا كان القصاص بهذه الدقة، والحساب بهذه الشمولية؛ فالأولى بالعبد أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفر، وهو الشرك، وظلم يغفر، وهو ما بين العبد وربه، وظلم لا يتركه الله: ظلم العباد بعضهم بعضا) رواه أحمد .
فطهروا قلوبكم من الظلم، وألسنتكم من الأذى، وأيديكم من الاعتداء، وتحللوا من المظالم قبل أن ينادى عليكم: أنا الملك، أنا الديان. {يوۡم لا ينفع مالٞ ولا بنون * إلا منۡ أتى ٱلله بقلۡبٖ سليمٖ} [الشعراء: 88-89]. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

