الرقية المشروعة والرقية المحرمة

0 1

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، له الحمد على السراء والضراء، وله الشكر في البأساء والرخاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب على عباده البلاء وجعل بعده الرخاء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله ربه رحمة وشفاء، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أولي النهى والوفاء. اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، ليست دار قرار ولا أمان. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله حق تقاتهۦ ولا تموتن إلا وأنتم مسۡلمون} [آل عمران: 102]. {يٓأيها ٱلناس ٱتقوا ربكم ٱلذي خلقكم من نفۡس وحدة وخلق منۡها زوۡجها وبث منۡهما رجالا كثيرا ونسآء وٱتقوا ٱلله ٱلذي تسآءلون بهۦ وٱلۡأرۡحامۚ إن ٱلله كان عليۡكمۡ رقيبا} [النساء: 1]. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله وقولوا قوۡلا سديدا 70 يصۡلحۡ لكمۡ أعۡملكمۡ ويغۡفرۡ لكمۡ ذنوبكمۡۗ ومن يطع ٱلله ورسولهۥ فقدۡ فاز فوۡزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد؛
عباد الله: ما من أحد في هذه الحياة إلا ويتقلب بين صحة ومرض، وسرور وحزن، ويوم يقبل عليه بالنعمة، وآخر يبتلى فيه بالمحنة؛ {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء:35]. المؤمن لا يستغرب البلاء؛ لأنه يعلم أن ربه قال: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك:2]. ولكن الفرق بين المؤمن وغيره: أن غير المؤمن يضجر ويجزع وربما يتسخط، وأما المؤمن فيرى البلاء بابا إلى الأجر فيصبر، ويلجأ إلى ربه ويبحث عن العلاج المشروع الذي يرضي الله ولا يغضبه.
أيها المسلمون: التوكل ليس تواكلا ولا استسلاما، بل هو اعتماد القلب على الله مع تعاطي الأسباب المشروعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق الداء والدواء فتداووا، ‌ولا ‌تتداووا ‌بحرام) رواه الطبراني. وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داء، إلا قد أنزل له شفاء، ‌علمه ‌من ‌علمه، ‌وجهله ‌من ‌جهله) رواه أحمد. فالداء من الله، والدواء من الله، والعبد بينهما مأمور بـالحرص على ما ينفعه، والاستعانة بالله، وترك العجز واليأس. وإن بذل الأسباب ثم لم يظهر الشفاء، قال بقلب راض: قدر الله وما شاء فعل. والمسلم يعالج مرض البدن بما أباح الله من طب وأدوية، ويعالج مرض القلب بالتوبة والذكر والإنابة، ولكنه لا يرضى أن يداوي جسده على حساب إتلاف دينه وعقيدته؛ فسلامة التوحيد أغلى من سلامة الأجساد، والعافية الحقيقية أن تسلم قلبا ودينا، وإن أصاب البدن شيء من الوجع.
عباد الله: كثير مما يشكو منه الناس اليوم من قلق واضطراب وهموم وأحزان ليس كله مسا ولا سحرا ولا عينا، بل أصله في كثير من الأحيان: بعد عن القرآن، أو ضعف ثقة بالله، وانشغال شديد بالدنيا مع غفلة عن الآخرة. وقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم دواء عظيما للهم والحزن، من قاله صادقا أذهب الله همه، وجبر قلبه، وهو الدعاء المشهور: (اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي) رواه أحمد. فمن وجد في قلبه هما وحزنا، فليفتش أولا عن صلته بربه قبل أن يفتش عن راق أو معالج.
أيها المسلمون: كتاب الله شفاء، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم دواء، قال ربنا جل وعلا: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء:82]. وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} [فصلت:44]. فالقرآن: شفاء من الشرك والشكوك، ودواء من الشهوات والشبهات، وجلاء للهموم والأحزان، وهو أيضا سبب لشفاء الأبدان لمن قرأه بيقين وإخلاص وحسن ظن برب العالمين. وإن من الخطأ أن يكون أول ما يفكر فيه المسلم إذا أحس بألم أو ضيق أو قلق هو: أين أقرب راق؟ قبل أن يرفع يديه إلى السماء، وقبل أن يقرأ على نفسه، وقبل أن يراجع طبيبا ثقة أو يستعمل دواء مباحا، فالأصل أن ترقي نفسك، وتكثر من الذكر، وتقرأ على نفسك وأهلك، ثم إن احتجت راقيا صالحا ثقة عرف بدينه واستقامته فلا بأس، دون أن تعلق قلبك به، فإنه وللأسف الشديد قد انتشرت دور الرقية في بعض المجتمعات، وكثر من يتسمى بـ "الراقي الشرعي"، وليس كل من قرأ آية أو رفع صوته صار وليا أو عالما بالرقية، فمنهم من: يهول الأمور ويخيف الناس، ويجعل لكل أحد سحرا وعينا ومسا، يأتيه المريض بصداع أو ألم يسير، فيخرج وهو يظن أن بيته مليء بالسحر، وأن الناس كلهم حاسدون له! وبعض هؤلاء الرقاة لا هم له إلا المال والتعلق بالناس؛ إلا ما رحم ربي منهم. بل إن منهم من يستعين بالجن والشياطين، أو يستعمل الطلاسم والكلمات المجهولة، أو يزعم أنه يرى ما لا يراه الناس، ويعلم من سحر ومن حسد ومن فعل… وهذا من جنس الكهانة والعرافة، وليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم. فاحذروا من كل رقية فيها ألفاظ لا تفهم، أو استغاثة بغير الله تعالى، أو خلوة مشبوهة، أو دجل وتهويل، أو تعلق بالراقي أكثر من التعلق برب العالمين. فالرقية المشروعة بركة ونور من الله تعالى، وهؤلاء يحيطونها بدعايات مظلمة، ومبالغات كاذبة لإرعاب الناس وسلب أموالهم.
عباد الله: هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية بين واضح، ليس فيه تعقيد ولا غموض. من ذلك: أنه كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، ونفث فيهما، وقرأ: {قل هو الله أحد} {قل أعوذ برب الفلق} {قل أعوذ برب الناس} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده. وكان صلى الله عليه وسلم يرقي الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) رواه أبو داود. وكان صلى الله عليه وسلم يقول في رقية المريض: (أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما) رواه البخاري. وجاءه جبريل عليه السلام فقال: (بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك) رواه أحمد. هذه هي الرقية النبوية: بكلام عربي واضح، وبألفاظ معلومة، مع اعتقاد جازم أن الشافي هو الله وحده.
عباد الله: الطريق الصحيح عند المصيبة أن نبدأ بتجديد الإيمان والذكر والقرآن، ثم نبذل أسباب التداوي المشروعة عند الأطباء الثقات، ثم إن احتجنا راقيا مستقيما على السنة لا دجل عنده ولا شرك ولا طمع، فلا حرج في ذلك مع الحذر والبصيرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد،
أيها المسلمون: من أراد السلامة فليدخل حصن الأذكار؛ أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وأذكار دخول البيت والخروج منه، وأذكار دخول المسجد والخلاء، كلها سياج لك من الشرور. فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاثا حين يصبح، وثلاثا حين يمسي، لم يضره شيء) رواه أبو داود. هذه الكلمات يسيرة على اللسان، عظيمة عند الرحمن، تحفظك من: شر الإنس والجن، ومن شر العين، وشر الوساوس والأوهام. فلا تهملوا الأذكار عباد الله ثم تشكون من الضيق والهم والكوابيس والأوهام، ثم تهرعون إلى الرقاة! ابدؤوا بما علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم.
عباد الله: ليكن عندكم ميزان واضح: أن الرقية المشروعة ما كانت من القرآن الكريم، أو من الأذكار الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، أو كانت أدعية مفهومة صحيحة بلسان عربي أو ما يقوم مقامه، مع اعتقاد: أن النافع والضار هو الله وحده. واعلموا أن الرقية الممنوعة: ما كان فيها شرك أو دعاء لغير الله تعالى، أو استعانة بالجن والشياطين، أو طلاسم وكلمات لا تفهم، أو خلوات محرمة، أو أكل لأموال الناس بالباطل، أو تشخيصات غيبية لا دليل عليها. ومن اتقى الله في نفسه وأهله، اكتفى بالقرآن والذكر، وراجع أهل الطب الثقات، وحذر طرق الدجالين، فكان على هدى وبيان.
عباد الله: سلوا الله العفو والعافية، فإن العافية لا يعدلها شيء، وادعوه أن يشفي مرضى المسلمين، وأن يعافي مبتلاهم، وأن يرد من ضل منهم إلى الحق ردا جميلا. ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال جل من قائل: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب:56].
 

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة