الإيمان بالملائكة من أركان الإيمان

0 0

الخطبة الأولى
 
الحمد لله رب العالمين، نحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. اتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله حق تقاتهۦ ولا تموتن إلا وأنتم مسۡلمون} [آل عمران: 102]. {يٓأيها ٱلناس ٱتقوا ربكم ٱلذي خلقكم من نفۡس وحدة وخلق منۡها زوۡجها وبث منۡهما رجالا كثيرا ونسآء وٱتقوا ٱلله ٱلذي تسآءلون بهۦ وٱلۡأرۡحامۚ إن ٱلله كان عليۡكمۡ رقيبا} [النساء: 1]. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله وقولوا قوۡلا سديدا 70 يصۡلحۡ لكمۡ أعۡملكمۡ ويغۡفرۡ لكمۡ ذنوبكمۡۗ ومن يطع ٱلله ورسولهۥ فقدۡ فاز فوۡزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد، 
عباد الله: اعلموا أن من أعظم ما يصلح القلب، ويقيم السلوك، ويبعث المراقبة في النفس: الإيمان بالغيب الذي أخبر الله به ورسوله؛ ومن أعظم أبوابه: الإيمان بالملائكة. الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به؛ قال الله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ۚ كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285]، وقال سبحانه: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة} [البقرة: 177]. وفي حديث جبريل المشهور لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) رواه مسلم. بل حذرنا ربنا من الكفر بهذا الركن فقال: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} [النساء: 136].
أيها المسلمون: إن القدر الواجب للإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور لا بد منها وهي: الإقرار الجازم بوجودهم وأنهم خلق من خلق الله تعالى، مربوبون مسخرون لعبادته. والإيمان بأسماء من علمنا اسمه منهم: كجبريل وميكائيل، وإسرافيل، ومالك، وغيرهم. والإيمان بأوصاف من علمنا وصفه؛ ومن ذلك وصف جبريل عليه السلام. والإيمان بأعمال من علمنا عمله: فجبريل للوحي، وإسرافيل للصور، وميكائيل للقطر، ومالك للنار… إلى غير ذلك. نقف اليوم أربع وقفات مع ملائكة الله تعالى، أولى تلك الوقفات: التعرف على صفات الملائكة ومنزلتهم.
أيها المسلمون: الملائكة خلق من خلق الله تعالى، خلقهم من نور؛ كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلقت الملائكة من نور…) رواه مسلم. وهم خلق عظيم، لهم أجسام وأجنحة، وعددهم كثير لا يعلمه إلا الله تعالى، قال تعالى: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء} [فاطر: 1]. ورأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ثبت ذلك في الصحيحين. وأذن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث عن ملك من حملة العرش فقال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) رواه أبو داود.
من أعظم صفات الملائكة: أنهم مأمورون طائعون لا يعصون الله أبدا: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]، {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 27]. وهم كذلك يستغفرون للمؤمنين، قال تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم… ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7]. وهم لا يفترون عن العبادة: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 20]. فسبحان من خلقهم وسخرهم لعبادته.
عباد الله: الوقفة الثانية مع مهام الملائكة ووظائفهم: فللملائكة وظائف عظيمة في الكون والحياة والآخرة، ومن ذلك: جبريل عليه السلام موكل بالوحي، قال تعالى: {نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 193-194]، وقال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك} [النحل: 102]. ومنهم الملك الموكل بالرحم، قال صلى الله عليه وسلم: (وكل الله بالرحم ملكا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: أي رب، أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل، فيكتب كذلك في بطن أمه) رواه البخاري. وفي حديث ابن مسعود: (ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات…) متفق عليه. ومنهم الحفظة والمعقبات قال تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]. ومنهم الكرام الكاتبون قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين} [الانفطار: 10-11]. ومنهم ملائكة سياحون يلتمسون مجالس الذكر قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. ومنهم ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار ويشهدون الفجر والعصر قال صلى الله عليه وسلم: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار…) متفق عليه. وقال تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78]. ومنهم ملائكة تكتب السبق إلى الجمعة حتى يدخل الإمام كما في الحديث: (تقعد الملائكة على أبواب المسجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول… فإذا خرج الإمام طوت الصحف) متفق عليه. ومنهم زوار البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ومنهم ملك الموت وأعوانه قال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [السجدة: 11]، ومنهم إسرافيل صاحب الصور قال تعالى: {ونفخ في الصور…} [الزمر: 68]. ومنهم منكر ونكير لفتنة القبر، ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار، وغيرهم من الملائكة خلق كثير من خلق الله تعالى، يكفي في الدلالة عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أرى ما لا ترون… أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله…) رواه الترمذي.
أيها المؤمنون: الوقفة الثالثة مع ثمرات الإيمان بالملائكة، فإن من أعظم ثمراته: محبة الملائكة وإجلالهم؛ لأنهم عباد مكرمون مطيعون لربهم؛ وهذا يدفع المؤمن إلى اجتناب ما يؤذيهم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) رواه مسلم. وقد نهى عن قربان المسجد لمن أكل الثوم أو البصل لما في ذلك من الأذى. وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة) متفق عليه. ومن ثمرات الايمان بالملائكة أبضا: تعظيم الله تعالى؛ فإن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق سبحانه، ويدخل في ذلك قوله تعالى: {يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} [فاطر: 1]. ومن ذلك: التشبه بالملائكة في الطاعة والذكر؛ فهم صفوف في عبادة ربهم، وفي حالة تسبيح لا يفتر قال تعالى فيهم: {وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 165-166]. وفي الحديث: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها…) رواه مسلم. ومن الثمرات: رجاء قبول دعائهم واستغفارهم للمؤمن، وبذل الأسباب التي تجلب ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الإيمان بالملائكة ليس مجرد أمر ذهني، بل هو يقين يثمر آثاره في القلب والسلوك.
أيها المسلمون: آخر ما نقف مع الإيمان بالملائكة الوقوف على أحوال وأوقات تدعو لنا الملائكة فيها، فإذا كان المرء يفرح بدعاء الصالحين له بظهر الغيب، فكيف بدعاء الملائكة الكرام؟ ومن الأعمال التي وردت فيها النصوص: الصف الأول وإتمام الصفوف وسد الفرج، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول) رواه ابن ماجه. وجاء: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف…) رواه ابن ماجه. ومن ذلك أيضا: التأمين خلف الإمام قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أمن الإمام فأمنوا… فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. ومن ذلك: الجلوس في المصلى بعد الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه… اللهم اغفر له اللهم ارحمه) متفق عليه. ومن ذلك سماع صياح الديك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكا…) متفق عليه. إلى غيرها الكثير من الأعمال والأوقات التي تدعو فيها الملائكة لعباد الله تعالى.
فيا عباد الله: تحروا هذه المواطن، واغتنموا هذه الأوقات، فإنها أبواب رحمة، ومفاتيح مغفرة، وطرق إلى دعاء الملائكة.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة