- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أما بعد، أيها المسلمون:
في بيوتنا تتلألأ أنوار صغيرة، وأرواح بريئة تنتظر من يرعاها، وفي حدائق حياتنا تنمو براعم وزهور لم تثمر بعد، إنها أطفالنا، ثمار قلوبنا وزينة حياتنا، وبقدر ما نحسن رعايتهم يسعدون ونسعد معهم، وما أجمل أن يدرك الآباء والمربون أن بين أيديهم كنزا، إن صانوه ازدهرت به الحياة، قال الله تعالى: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}(الكهف: 46).
وفي عالم تتصارع فيه القيم والأفكار، تبقى الطفولة أرضا طيبة خصبة تنتظر غرسا صالحا ينمو ويثمر، فالطفولة أخصب مراحل حياة الإنسان، وفيها تغرس القيم وتبنى أسس الشخصية السوية، والطفل أمانة بين يدي والديه، يحمل قلبا طاهرا كالجوهرة النفيسة، يقبل ما يلقى إليه من توجيه وتعليم، فإن عود الخير نشأ عليه، وسعد في دنياه وأخراه، وشارك والديه ومعلميه في ثوابه، وإن أهمل وعود الشر شقي وهلك، وكان الوزر في أعناق من قصر في رعايته، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}(التحريم:6). وقال ابن القيم رحمه الله: "فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة".
وأطفال اليوم هم فتية الغد وشبابه، ورجال المستقبل الذين تبنى بهم المجتمعات، وبحسن رعايتهم وتربيتهم وصلاحهم تسعد قلوبهم وتقر أعين آبائهم وأمهاتهم، ويكونون ـ بعد الله ـ ذخرا وبرا لهم في الحياة وبعد الممات..
ولقد اهتم واعتنى نبينا صلى الله عليه وسلم بالطفولة عناية بالغة، تجلت ملامحها في سيرته العطرة وسنته المطهرة، حتى شمل اهتمامه بالطفل قبل أن يوجد في الحياة، إذ دعا إلى تهيئة البيئة الصالحة، وتأسيس البيت الطيب، واختيار الأصل الكريم الذي ينشأ فيه الطفل ويتربى، ومن تمام حكمته صلى الله عليه وسلم أن وجه الرجل إلى اختيار الزوجة الصالحة التي ستكون أما ومعلمة ومربية لأولاده، كما رغب المرأة في اختيار الزوج الصالح الذي يكون أبا راشدا وقدوة حسنة لأولادها، لتنشأ الذرية في ظل أبوين صالحين وبيئة مستقيمة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) رواه الترمذي.
ويظهر هذا الاهتمام النبوي بالطفل من لحظة ولادته، وذلك باستقباله بالفرح والبشر، سواء كان ذكرا أم أنثى، إذ هو نعمة عظيمة من الله، والتأذين في أذنه بعد ولادته، وتسميته باسم حسن وجميل.
ومن أبرز صور الاهتمام النبوي بالطفل: تربيته وتعليمه أمور دينه وحياته على العقيدة الصحيحة، وغرس حب الله وحب عبادته وطاعته في قلبه منذ نعومة أظفاره، فهذا من أهم المبادئ التربوية لكل أب وأم ومرب يسعى لغرس الخير في الصغار، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (كنت خلف رسول الله يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي.
ومن صور الاهتمام النبوي بالطفل: أمره صلى الله عليه وسلم الوالدين بتعويد الطفل على المحافظة على الصلاة منذ الصغر، مع مراعاة التدرج والرفق والحكمة، كما أمر بالتفريق بين الأولاد عد النوم، فقال صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين...) رواه أبو داود. وقال ابن تيمية: "يجب على كل مطاع أن يأمر من يطيعه بالصلاة، حتى الصغار الذين لم يبلغوا، ومن كان عنده صغير، يتيم أو ولد، فلم يأمره بالصلاة فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير".
ومن هذه المعالم التربوية النبوية والهامة مع الأطفال: أن يراعي الآباء والأمهات التسوية بين أبنائهم ـ الأولاد والبنات ـ، وعدم تفضيل بعضهم على بعض، بأي شكل من أشكال التفضيل المادي أو المعنوي، لما في ذلك من أثر سلبي على الطفل، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا قبل ابنا له وأجلسه في حجره، ثم جاءت بنية فأخذها فأجلسها إلى جنبه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (فهلا عدلت بينهما؟!) رواه البزار. فالمساواة بين الأبناء في العطاء والهدايا، وكذلك في الاهتمام النفسي والمشاعر، يثمر أبناء بارين بآبائهم، بينما يؤدي تفضيل بعض الأبناء على بعض في العطاء أو المعاملة إلى الأحقاد، وإيغار الصدور، وربما الانحراف وعقوق الأبناء لوالديهم، فلا يبرونهم.
ومن صور الاهتمام النبوي بالطفل إشعاره بالمحبة والحنان: فالطفل يحتاج إلى شعور دائم بالمحبة والرحمة والحنان من والديه ومن يربيه، وغياب هذا الشعور قد يؤدي إلى اختلال البناء النفسي والتربوي السوي له، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إبراز هذا المعنى، فقد جاء ناس من الأعـراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: (أتقبلون صبيانكم؟ فقال: نعم، فقالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة) رواه مسلم.
وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم للآباء والمربين القدوة الصالحة في التعامل مع الأطفال، بأسلوب الرحمة والرفق، والحب والمؤانسة، فقد كان يلاطف الأطفال ويمازحهم ويمسح على رؤوسهم، وقال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا) رواه أبو داود، وقال عن الاهتمام بالبنات خاصة: (من عال جاريتين دخل أنا وهو الجنة كهاتين - وأشار بأصبعيه -) رواه مسلم.
ولم تمنعه صلوات الله وسلامه عليه خشية الله وعبادته من ملاطفة الأطفال، فقد صلى وهو حامل أمامة ابنة ابنته زينب رضي الله عنها، وحين ركب الحسن ابن ابنته فاطمة رضي الله عنها على ظهره أثناء السجود، أطال السجود مراعاة له، فقال عند سؤاله: (إن ابني هذا ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه النسائي.
عباد الله: أطفالكم يغفر لهم خطؤهم، والله رفع عنهم التكليف، فلا تثقلوا عليهم بأساليب الشدة والعنف، كونوا حازمين ولكن برفق، وقدروا صغر سنهم وحبهم للعب واللهو، فكيف يعاقب طفل صغير على شقاوة طبيعية أو لهو بريء؟
اقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في رفقه وملاطفته وتعليمه للأطفال، فقد خدمه أنس رضي الله عنه عشر سنين ولم يوجه له لوما أبدا، ولم يقل له أف قط، وكان يراعي الجانب النفسي للأطفال، فيوجههم برفق وحب، كما فعل مع عمر بن أبي سلمة وهو طفل صغير حين كانت يده تطيش في الطعام أثناء الأكل فقال له: (يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) رواه الترمذي. فالتربية بالحب والرفق ـ وهي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ـ تبني ولا تهدم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
الأطفال أمانة بين أيديكم، وحقوقهم تحتاج إلى تذكير دائم، فقد ينسى بعض الآباء والأمهات الحنان والرعاية لأطفالهم ويهملون تربيتهم، تحت دعاوى غير مبررة من ضغوط ومشاغل الحياة
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا
بل اليتيم هو من تلقى له أما تخلت أو أبا مشغولا
إن الصراخ والتعنيف، والإهمال والتجاهل لأولادكم يورثهم شخصية مهزوزة ونفسية مضطربة، وقد ينعكس ذلك على تعليمهم وسلوكهم وحياتهم النفسية، فاتقوا الله في وصيته: {يوصيكم الله في أولادكم}(النساء:11)..
أيها الآباء والأمهات، احرصوا على توفير بيئة هادئة ونقية لأولادكم، وامنحوهم الحنان والرعاية، واحذروا من إظهار خلافاتكم أمامهم، فهذا يعد صفحة خطيرة من مآسي الطفل تقع فيها الأسر دون شعور، فإنكم بذلك تهدمون نفوسهم وتزرعون الخوف والحزن في قلوبهم، ويؤثر ذلك على تعليمهم وسلوكهم وحياتهم النفسية، وتذكروا أنكم مسؤولون عن أولادكم، ومحاسبون عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري.
وختاما عباد الله، من خلال السيرة النبوية والهدي النبوي يتجلى لنا أن الاهتمام بالأطفال وحسن تربيتهم من أهم المهام التي يجب على الأبوين وكل من يعنى بتربيتهم القيام بها، لتهيئتهم على العقيدة الصحيحة والآداب الإسلامية.
والمتأمل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه يرى أنه كان مع الأطفال أبا حنونا، ومعلما ومربيا، فقد كان يتكلم معهم ويستمع إليهم باهتمام، يلاطفهم ويداعبهم، وينتهز كل فرصة مناسبة لغرس أمر من أمور العقيدة، أو خلق من الأخلاق، أو أدب من الآداب، حتى ينشأ الطفل نشأة طيبة سوية، ويكون فردا صالحا في أسرته ومجتمعه..
فيا أيها الأب وأيتها الأم، اعتنوا واهتموا بأولادكم حبا وحنانا، وتربية وتعليما، وتوجيها وتأديبا..
ويا من لم تتزوج بعد، ويا من كبر أولاده، ويا من لم ترزق بالذرية، اعلموا أن لكم في كل طفل من أطفال المسلمين باب أجر وزرع مفتوح، تغرسون فيه كلمة طيبة ومعنى كريما، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكلمة الطيبة صدقة) رواه البخاري، ومن مسح على رأس طفل، خاصة إذا كان يتيما، وأشعره بالحب والرحمة والحنان والاهتمام، له أجر عظيم عند الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل: (أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعم من طعامك، يلين قلبك، وتدرك حاجتك) رواه الطبراني.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).

المقالات

