- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الخطبة الأولى
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، المبعوث بالتوحيد الخالص، والداعي إلى إخلاص الدين لله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين. اتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أعظم ما خلق من أجله الإنسان، وأجل ما دعت إليه الرسل، وأشرف ما نزلت به الكتب، توحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة، وتنزيهه عن الشريك والمثيل. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]. {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2–3]. {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5].
أما بعد،
أيها المسلمون: حديثنا في هذه الخطبة مع سورة من أعظم سور القرآن الكريم، سورة قصيرة المبنى عظيمة المعنى، آياتها أربع، وكلماتها معدودة، لكنها تحمل من العقيدة ما لا تحمله سور طوال، إنها سورة نرددها في اليوم والليلة مرات كثيرة، نحفظها منذ الصغر، ونقرؤها في الصلاة، وفي الأذكار، وعند النوم، ولكن السؤال: هل نقرؤها بقلوب حاضرة؟ وهل نعيش معانيها؟ إنها سورة الإخلاص، قال الله تعالى فيها: {قلۡ هو ٱلله أحد * ٱلله ٱلصمد * لمۡ يلدۡ ولمۡ يولدۡ * ولمۡ يكن لهۥ كفوا أحدۢ} [الإخلاص: 1-4]. سميت هذه السورة بسورة الإخلاص؛ لأن الله أخلصها لنفسه، فلم يذكر فيها إلا ذاته العلية، وأسماءه وصفاته، وسميت بذلك لأنها تخلص العبد من الشرك إذا آمن بها وصدق وعمل بمقتضاها.
عباد الله: ما من سورة قصيرة ورد في فضلها من النصوص مثل ما ورد في سورة الإخلاص، فهي من أعظم سور القرآن، ولم ينزل مثلها في الكتب السابقة، وهي تعدل ثلث القرآن، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها اشتملت على ثلث مقاصده، وهو توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته، وهي سبب لمحبة الله لعبده، وهي حرز وحصن من الشرور، تقرأ في الصباح والمساء، وعند النوم، فتكون كافية بإذن الله، وحبها سبب لدخول الجنة، بكل ذلك صحت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضلها وبيان علو قدرها. روى الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة، مما يقرأ به افتتح بـ {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى! فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم -وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره- فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: (يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟)، فقال: إني أحبها -وفي رواية: "لأنها صفة الرحمن عز وجل- فقال صلى الله عليه وسلم: (حبك إياها أدخلك الجنة)".
سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟)، فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: (الله الواحد الصمد ثلث القرآن). ومعنى أنها ثلث القرآن: أن القرآن حديث عن العقائد، والأحكام، والقصص والأخبار، وسورة الإخلاص جمعت أصل العقائد.
ولقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع سورة الإخلاص أن يستشفي بها مع غيرها من بعض سور القرآن، والقرآن كله شفاء ورحمة. فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1]، و{قل أعوذ برب الفلق} [الفلق: 1]، و{قل أعوذ برب الناس} [الناس: 1]، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بها على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
أيها المسلمون: قال الإمام المفسر ابن كثير في قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1]. "أي: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له، ولا وزير، ولا نديد، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله عز وجل لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله". وقوله: {الله الصمد} [الإخلاص: 2]: قال عكرمة عن ابن عباس: "الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، والعرب تسمي أشرافها الصمد"، وقال أبو وائل: "هو السيد الذي انتهى سؤدده". وقوله تعالى: {لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 3، 4]؛ أي: ليس له والد، ولا ولد، ولا صاحبة. قال مجاهد: "{ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4]؛ أي: صاحبة". والمراد بالصاحبة: الزوجة، كما قال تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 101]؛ أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه تعالى وتقدس؟ قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا} [مريم: 88 - 94]. قال صلى الله عليه وسلم: (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد) رواه البخاري.
أيها المؤمنون: تشتمل سورة الإخلاص على فوائد جليلة ومقاصد عظيمة، من أعظمها تقرير وحدانية الله تعالى، وتنزيهه عن الصاحبة والولد، ورد أباطيل أهل الكتاب ومن وافقهم ممن جعل له صاحبة وولدا. قال تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30]. ومن جملة فضائل سورة الإخلاص: أنها احتوت على اسم الله الأعظم، الذي لا يسأل الله به إلا أجاب، ولا يدعى به إلا أعطى. فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فقال: (لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) رواه أبو داود. ومن جملة فوائد سورة الإخلاص: استحباب قراءتها عند المبيت، وقراءتها أيضا صباحا ومساء ثلاث مرات. فقد روى أبو داود عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه أنه قال: خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة، نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: (أصليتم؟) فلم أقل شيئا، فقال: (قل)، فلم أقل شيئا، ثم قال: (قل)، فلم أقل شيئا، ثم قال: (قل)، فقلت: يا رسول الله ما أقول؟ قال: (قل هو الله أحد والمعوذتين، حين تمسي وحين تصبح، ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء).
فاجعلوا -عباد الله- لهذه السورة حضورا في قلوبكم، لا مجرد ترديد في ألسنتكم، اجعلوها يقينا تعيشونه لا ألفاظا تكررونها، فرب سورة قصيرة، رفعت عبدا صدق مع الله، ورب عمل كثير حرم صاحبه القبول لخلل في الإخلاص.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن هذا القرآن لم ينزل ليتلى دون فهم، ولا ليحفظ دون تدبر، وإنما أنزل ليفهم، ويعمل به، وتحيا به القلوب. قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} [ص: 29]. وقال سبحانه: {أفلا يتدبرون القرآن} [محمد: 24]. ومن أعظم ما ينبغي تدبره في القرآن سور العقيدة، وفي مقدمتها سورة الإخلاص وأمثالها، لأنها تصحح أصل الدين، وتقيم ميزان الإيمان، وتصلح ما بين العبد وربه؛ فاحرصوا –رحمكم الله– على أن يكون لكم مع القرآن جلسات فهم قبل الحرص على جلسات الختم، فإن القلب إذا صلح بالتوحيد؛ صلحت الجوارح كلها.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

