كيف نغرس تعظيم الله في نفوس الصغار؟

0 1

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله ولۡتنظرۡ نفۡسٞ ما قدمتۡ لغدٖۖ وٱتقوا ٱللهۚ إن ٱلله خبيرۢ بما تعۡملون} [الحشر: 18]. {وٱتقوا يوۡمٗا ترۡجعون فيه إلى ٱللهۖ ثم توفى كل نفۡسٖ ما كسبتۡ وهمۡ لا يظۡلمون} [البقرة: 281]. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله وٱبۡتغوٓا إليۡه ٱلۡوسيلة وجهدوا في سبيلهۦ لعلكمۡ تفۡلحون} [المائدة: 35].
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المسلمون: قد يظن بعض الناس أن الحديث عن توحيد الله تعالى وتعظيمه ليس مناسبا لصغار السن، وأنه استعجال لأمر لا يطلب إلا عند الكبر، والحقيقة أن التربية على العقيدة لا عمر لها، وإنما الذي يختلف هو الطريقة والأسلوب، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: {فطرت الله التي فطر الناس عليها} [الروم:30]. فالتهويد والتنصير والتمجيس إنما يكون في الصغر، بل إن أهل الملل يبدؤون تعليم الطفل العقيدة منذ نعومة أظفاره، فالتربية لا تنتظر عمرا معينا، ولكن تربية الصغار على التوحيد ليست كتربية الكبار؛ فهي تحتاج حكمة ورفقا وحنكة، وتلقينا مناسبا لمرحلتهم وقدراتهم.
أيها المؤمنون: كان الصحابة يلقنون صغارهم كلمة التوحيد منذ صغرهم؛ فهذه الرميصاء أم سليم رضي الله عنها لما أسلمت جعلت تلقن أنسا وهو طفل تقول: قل لا إله إلا الله، قل: أشهد أن محمدا رسول الله، ففعل. جاء في سير أعلام النبلاء للذهبي عن إسحاق بن عبد الله عن جدته أم سليم: أنها آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "فجاء أبو أنس وكان غائبا، فقال: أصبوت؟ فقالت: ما صبوت ولكني آمنت. وجعلت تلقن أنسا: قل: لا إله إلا الله، قل: أشهد أن محمدا رسول الله. ففعل. فيقول لها أبوه: لا تفسدي علي ابني. فتقول: إني لا أفسده".
والمقصود أن التربية على التوحيد لا تنتظر سنا، ولكن الأسلوب يتفاوت باختلاف العمر والبيئة والزمان، بل إن بعض الصغار يسعهم من الوعظ ما لا يسع غيرهم لفارق الفطنة والذكاء. وقد ذكر عن سهل بن عبد الله قال: "قال لي خالي يوما ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي، فقلت ذلك ثلاث ليال ثم أعلمته. فقال لي: قل في كل ليلة إحدى عشرة مرة فقلت ذلك، فوقع في قلبي له حلاوة، فلما كان بعد سنة. قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لها حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يوما: يا سهل من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهد أيعصيه؟ إياك والمعصية".
ليس بالضرورة أن يطبق هذا بعينه على صغارنا، ولكن المقصود أن الصغير يمكن أن يربى على مراقبة الله وتعظيمه بأسلوب سهل ومتدرج، ثم إن هذا يبين لنا أثر البيت الصالح؛ فبيئة الطاعة تصلح، وبيئة المعاصي تفسد، والبيت الممتلئ بالمخالفات الظاهرة لا يزيد أهله إلا قسوة وضعف تعظيم لله تعالى، وحرمانا من لذة العبادة، ولذلك فإن أعظم من ينجح في هذا الباب: من عظم التوحيد في نفسه أولا، ووقر الله تعالى، وجاهد أن يعظم ربه قبل أن يطلب ذلك من صغاره؛ ففاقد الشيء لا يعطيه.
عباد الله: إن التناقض بين القول والعمل يهدم التربية، أب ينهى وهو يفعل، وأم تعظ وهي تخالف، فيضعف أثر النصح في القلوب، وإن كان الإنكار واجبا على كل حال، وقد لعن الله بني إسرائيل لأنهم لا يتناهون عن منكر فعلوه قال تعالى: {لعن ٱلذين كفروا منۢ بنيٓ إسۡرٓءيل على لسان داوۥد وعيسى ٱبۡن مرۡيمۚ ذلك بما عصوا وكانوا يعۡتدون * كانوا لا يتناهوۡن عن منكرٖ فعلوهۚ لبئۡس ما كانوا يفۡعلون} [المائدة: 78-79]. قال الشيخ السعدي: "فإن النفوس ‌مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة". ونحن جميعا نسعى لغاية عظيمة: أن نقي أنفسنا وأهلينا النار كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6]. قال أبو حامد الغزالي في معنى مهم: "فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى… فإن الصبي بجوهره خلق قابل للخير والشر جميعا، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين". ثم إن بعض الناس يستثقلون هذا الباب، ويظنون تربية الصغار إيمانيا أمرا مستحيلا، وليس كذلك، لكنها تحتاج كبدا ومجاهدة. {لقد خلقنا الإنسان في كبد} [البلد: 4]. وهكذا الدنيا: تعب وهم وابتلاء، والسعيد من احتسب وصبر، وكان في جميع حالاته على مقتضى العبودية لله .
عباد الله: إن من أهم وسائل تربية الصغار الحديث معهم بلا ملل عن عظمة الله تعالى، وأهمية إفراده بالعبادة، ولنا في لقمان أسوة حسنة؛ فقد بدأ مع ابنه بالتوحيد ثم التعظيم ثم الفرائض ثم الأخلاق، قال تعالى: {وإذۡ قال لقۡمن لٱبۡنهۦ وهو يعظهۥ يبني لا تشۡركۡ بٱللهۖ إن ٱلشرۡك لظلۡم عظيمٞ} [لقمان: 13] ثم قال: {يبني إنهآ إن تك مثۡقال حبةٖ منۡ خرۡدلٖ فتكن في صخۡرة أوۡ في ٱلسموت أوۡ في ٱلۡأرۡض يأۡت بها ٱللهۚ إن ٱلله لطيف خبيرٞ} [لقمان: 16]. ثم قال: {يبني أقم ٱلصلوة وأۡمرۡ بٱلۡمعۡروف وٱنۡه عن ٱلۡمنكر وٱصۡبرۡ على مآ أصابكۖ إن ذلك منۡ عزۡم ٱلۡأمور} [لقمان: 17]. ثم ختم بآداب السلوك: {ولا تصعرۡ خدك للناس ولا تمۡش في ٱلۡأرۡض مرحاۖ إن ٱلله لا يحب كل مخۡتالٖ فخورٖ * وٱقۡصدۡ في مشۡيك وٱغۡضضۡ من صوۡتكۚ إن أنكر ٱلۡأصۡوت لصوۡت ٱلۡحمير} [لقمان: 18-19]. فالوعظ في الوقت والمكان المناسبين من أنفع الأساليب، وكذلك عرض القصص الإيمانية مما يثبت في ذاكرة الطفل ويبقى أثره.
أيها المسلمون: مع بذلنا الأسباب لا ننسى أن الهداية بيد الله وحده، ومن أوضح العبر: نوح عليه السلام مع ابنه، دعا ونصح وطال به الزمن تسع مئة وخمسين سنة، ومع ذلك لم يهتد من شاء الله له الضلال ومنهم ابن نوح؛ لأن الهداية بيد الله تعالى. وكذلك قصة لوط مع امرأته، وعلى النقيض من ذلك: قصة امرأة فرعون، وهي آية على إمكان الهداية في أسوأ البيئات: {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون} [التحريم: 11]. وخلاصة الأمر: إن تربية الصغار على التوحيد أمر من الأهمية مكان له وسائله المناسبة وطرائقه المتعددة، وما على العبد إلا بذل السبب بإخلاص وإتقان، ثم الدعاء أن يبارك الله في الجهد ويصلح الولد.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد؛
عباد الله: من أعظم وسائل تربية الأبناء على التوحيد وتعظيم الله تعالى: تحفيظهم كتاب الله القرآن، مع تذكيرهم أن الذي بين أيديهم كلام الله تعالى؛ فإن تعلق الطفل بالقرآن يورثه محبة الله وتوحيده، لكن ذلك مشروط بحسن أداء المربي وحسن تعامله، وإلا انقلب الأمر إلى ضده. ومن وسائل تعميق التوحيد: تعليق قلوبهم بالله جل وعلا في جلب النفع ودفع الضر، وبيان خطر اللجوء إلى السحرة والكهنة والمشعوذين، أو الإعجاب بهم ومتابعتهم عبر الوسائط المختلفة، ففي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين ليلة). وفي مسند أحمد من حديث أبي هريرة والحسن أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم). ويستعان في ذلك بقصة موسى عليه السلام مع السحرة. ومن الوسائل أيضا: تذكيرهم بأن الله خالقنا وخالق الحيوانات والكون وتقلباته، وخصوصا عند الظواهر: الكسوف والخسوف والرياح والأمطار. ومن الوسائل أيضا: تدريبهم على التحصن بالأدعية والأذكار في الأحوال المخلتفة؛ فهذا من أعظم أبواب التوحيد، إلى غير ذلك من الوسائل.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة