- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أما بعد، أيها المسلمون:
نعيش في هذه الدنيا رحلة وحياة قصيرة، ثم نقف بعدها أمام يوم عظيم، يوم تعرض فيه الأعمال، وتوزن فيه الأقوال والأفعال، وتتطاير فيه الصحف، فمن الناس من يأخذ كتابه بيمينه فيسعد، ومنهم من يأخذه بشماله فيشقى..
وفي ذلك الموقف العظيم واليوم العصيب تتجلى الحقائق، ويكشف الغطاء، فنرى الجنة بما فيها من النعيم المقيم، ونرى النار بما فيها من العذاب الأليم، وفي خطبتنا هذه سنتحدث ونشير إلى ما في الجنة من نعيم، وما في النار من عذاب، عسى أن نتعظ ونعتبر، ونرجع إلى الله، ونحافظ على الطاعات والعبادات، ونسارع إلى الخيرات..
النار ـ نعوذ بالله منها ـ مثوى الكافرين والمنافقين، والأشرار والفجار، وقودها الناس والحجارة، كما قال الله تعالى عنها: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة}(التحريم:6). وأما العصاة من المسلمين ـ فإن لم يغفر الله لهم بفضله ورحمته، يدخلون النار يعذبون فيها على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها ويدخلون الجنة برحمة الله وفضله، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}(النساء:48).
وقد جاءت الأحاديث النبوية الصحيحة لتؤكد أن العصاة من المسلمين لا يخلدون في النار، بل يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، وعذابهم متفاوت، فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم بما لهم من حسنات أو بشفاعة الشافعين، أو بما شاء الله من الأسباب، ومع ذلك، لا ينبغي لمسلم أن يستهين بالنار بدعوى أنه لن يخلد فيها، بل الواجب أن يخاف عذابها ويجتهد في البعد عن أسبابها، فإن أقل أهل النار عذابا ـ كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم ـ من له نعلان من نار يغلي منهما دماغه، وهو يظن أنه أشد الناس عذابا، وهو في الحقيقة أهونهم، فكيف بمن فوقه؟!
عباد الله، إن الله تعالى ينادينا في كتابه الكريم محذرا ومنذرا: {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}(لقمان:33)، ويقول: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}(غافر:18)، ويقول تعالى: {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار * اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب}(غافر:17:16).
وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه خطبة اهتزت لها قلوبهم، قال فيها: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) رواه الترمذي، فما كان من الصحابة إلا أن طأطؤوا رؤوسهم وبكوا بكاء شديدا، إذ أدركوا أن وراء هذه الكلمات صورا عظيمة من مشاهد الآخرة، وتذكروا الجنة وما أعد الله فيها لأهلها من النعيم المقيم، وتذكروا النار وما فيها من العذاب الأليم، وتذكروا عظمة الجبار في انتقامه من الظالمين والعصاة الذين اتبعوا أهواءهم وكانوا من الغاوين، حتى أبو ذر رضي الله عنه: "لوددت أني كنت شجرة تعضد "..
فلنحذر ـ عباد الله ـ من الاغترار بالدنيا والانخداع بوعود الشيطان، ولنتذكر النهاية الحتمية لكل حي، وسكرات الموت التي لا مفر منها، ثم القبر وما فيه من نعيم أو عذاب، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه) رواه الترمذي.
ولنتذكر دائما يوم البعث والنشور، وقد دنت الشمس من الخلائق، والصراط منصوب على متن جهنم، أدق من الشعر وأحد من السيف، والناس يمرون عليه على قدر أعمالهم، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: (اللهم سلم سلم) رواه البخاري.
ولنتذكر ما في جهنم من عذاب، وصرخات أهل النار واستغاثاتهم، وهم ينادون خازن النار: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون}(الزخرف:77).
فلا تغتروا بزينة الدنيا، ولا تؤجلوا التوبة، فإن أجسادنا الضعيفة التي لا تقوى على حرارة شمس الصيف، ولا تحتمل لسعة نار صغيرة، كيف لها أن تطيق نار جهنم؟! واعتبروا قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..
ولنتساءل مع أنفسنا: أين نحن من ذكر الله وقد شغلتنا الدنيا بلهوها وزينتها؟
أين نحن من المحافظة على الصلاة، وقد ضيعناها لأجل نوم أو لهو أو عمل؟
أين نحن من غض البصر وحفظ الجوارح، ونحن نجترئ على الشهوات والمحرمات، ونفتح الشاشات على ما يغضب الله؟
أين نحن من الأمانة والصدق، ونحن نغش في البيع والشراء، ونخدع في المعاملات، ونظلم في الحقوق؟
أين نحن من بر الوالدين وصلة الأرحام، ونحن نعق آباءنا وأمهاتنا، ونظلم زوجاتنا، ونترك أبناءنا بلا تربية ولا رعاية؟
أين نحن من العدل والإنصاف، ونحن نؤذي ونظلم عباد الله؟
وأين نحن من أوقاتنا وأعمارنا، وقد ضاعت الساعات الطويلة أمام الهواتف والشاشات فيما لا ينفع، وانشغلنا بمتابعة المسلسلات والمباريات، وتركنا القرآن والذكر؟
أين نحن من ألسنتنا، وقد أطلقناها في وسائل التواصل بالغيبة والاستهزاء والسخرية، ونشر الباطل والشائعات؟
وأين نحن من مسؤوليتنا مع أبنائنا، وقد تركناهم للشاشات والأصدقاء بلا توجيه ولا تربية، حتى ضاعت أخلاقهم وضعفت قلوبهم؟
فتصوروا ـ رحمكم الله ـ لو متنا على هذه الحال بلا توبة، كيف يكون حالنا ومصيرنا؟!
وإذا كنا قد ذكرنا النار وأشرنا إلى ما فيها من العذاب الأليم، فلننتقل الآن إلى الحديث عن الجنة وما فيها من النعيم المقيم، لنوازن في نفوسنا بين الترهيب والترغيب، ونستنهض القلوب للسعي إلى رضوان الله..
والجنة ـ عباد الله ـ هي دار الخلود والسعادة، أعدها الله لعباده المتقين، فيها من النعيم ما تعجز العقول عن تصوره، وما تعجز الأقلام عن وصفه، فلا مرض فيها ولا موت، ولا تعب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، قال الله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا}(الرعد:35). وقال صلى الله عليه وسلم قال: (ينادي مناد (على أهل الجنة): إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}(السجدة:17)) رواه البخاري.
إنها الجنة، أدنى أهلها منزلة من يعطى من النعيم ما يفوق ملك أعظم ملوك الدنيا عشر مرات، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم، فما بالكم بأهل الدرجات العليا؟!
إنها الجنة! لا يهرم شبابها، ولا تبلى ثيابها، ولا يعتريها نقص أو كدر، قال تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما}(الواقعة:25-26)، وقال تعالى: {فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم}(محمد:15).
والجنة درجات ومنازل، يتفاوت أهلها بقدر أعمالهم في الدنيا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس) رواه الترمذي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله: اتقوا الله وأعدوا أنفسكم لهذا اليوم العظيم، الذي سنقدم فيه جميعا للمساءلة والمحاسبة، وسيوقف كل منا بين يدي الله متخليا عنه كل قريب وصديق وحبيب، كما قال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}(عبس:37:34)..
اتقوا يوما يوضع فيه الكتاب، وتلاقون فيه الحساب، وينشر فيه ملف أعمالكم من خير أو شر: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}(الكهف:49)..
اتقوا يوما تغلق فيه الأفواه، وتتكلم وتشهد الأعضاء والجوارح، قال تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون}(يس:65)..
وختاما ـ عباد الله ـ: فإن الإيمان بالجنة والنار، وما أعده الله فيهما من نعيم للمؤمنين وعذاب للكافرين والعصاة، هو من الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان..
والجنة هي دار الكرامة والخلود، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، درجاتها متفاوتة بقدر الإيمان والعمل الصالح، وأعلاها الفردوس، وأما النار فهي دركات متفاوتة في العذاب، وأهون أهلها عذابا من له نعلان من نار يغلي منهما دماغه، فكيف بمن فوقه؟!!
فالعاقل من يسارع إلى الجنة بطاعة الله وتقواه، واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، ويحذر من النار بالبعد عن الذنوب والمعاصي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري.
فاتقوا الله عباد الله، واغتنموا أعماركم قبل فوات الأوان، فالدنيا قصيرة فانية تنتهي في لحظة من غير مقدمات، واستعدوا للقاء الله بتوبة صادقة، وبعمل صالح وقلب سليم، فمن جد وجد، ومن زرع هنا حصد هناك، ومن غفل هنا ندم هناك..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

