ضعف الإيمان علاماته وأسبابه وطرق تقويته

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل الإيمان حياة للقلوب، ونورا للصدور، وطمأنينة للنفوس، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله ولۡتنظرۡ نفۡسٞ ما قدمتۡ لغدٖۖ وٱتقوا ٱللهۚ إن ٱلله خبيرۢ بما تعۡملون} [الحشر: 18]. {وٱتقوا يوۡمٗا ترۡجعون فيه إلى ٱللهۖ ثم توفى كل نفۡسٖ ما كسبتۡ وهمۡ لا يظۡلمون} [البقرة: 281]. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله وٱبۡتغوٓا إليۡه ٱلۡوسيلة وجهدوا في سبيلهۦ لعلكمۡ تفۡلحون} [المائدة: 35].

أما بعد
عباد الله: إن من أعظم ما يبتلى به العبد في سيره إلى الله تعالى ضعف الإيمان، وهو داء خفي إذا دخل القلب أفسده، وإذا تمكن منه أظلم نوره، وقد يشتكي كثير من الناس فيقول: أشعر بقسوة في قلبي، أقع في المعصية بسهولة، لا أجد لذة الطاعة، وكل ذلك من علامات ضعف الإيمان، وهذا الداء عباد الله ليس داء عابرا، بل هو أصل كل بلية، ومنبع كل تقصير، فإذا مرض القلب فسدت الجوارح، وإذا ضعف الإيمان فيه اختلت الموازين كلها؛ ولذلك كان الحديث عن القلوب حديثا خطيرا دقيقا؛ لأنها محل نظر الرب، وموضع الإيمان والتقوى، وسمي القلب قلبا لكثرة تقلبه وسرعة تغيره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما سمي القلب من تقلبه، وإن مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرا لبطن) رواه أحمد. وقال صلى الله عليه وسلم: (لقلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا) رواه ابن أبي عاصم.
وإذا كان الأمر كذلك، وتيقن العبد أن النجاة يوم القيامة لا تكون إلا لمن أتى الله بقلب سليم، وكان الوعيد الشديد لمن قست قلوبهم عن ذكر الله تعالى، وكان الوعد بالجنة لمن جاء ربه بقلب منيب؛ فإن الواجب على المؤمن أن يقف مع قلبه وقفة صدق، يتحسس حاله ويتفقد أمره، ويبحث عن مواضع الخلل فيه، قبل أن يغلبه الران، ويطبع عليه فيخسر خسرانا مبينا؛ لأن الأمر عظيم، والشأن خطير، والله تعالى قد حذرنا من قلوب شتى: من قلوب قاسية، وقلوب مريضة، وقلوب مقفلة، وقلوب منكوسة، وقلوب مختوم عليها؛ وكلها قلوب حرمت نور الهداية بسبب الغفلة والإعراض، ولا تزال في خطر حتى تعود إلى ربها وتصلح ما فسد من أمر دينها.
أيها المؤمنون: إن من أخطر ما يمر به العبد أن يكون قاسي القلب ضعيف الإيمان وهو لا يشعر، بل يظن أنه على خير، وأن ما به أمر عابر أو طبيعي، وهو في الحقيقة يسير وقلبه في غفلة، لا يدري أن في داخله خللا يحتاج إلى علاج، ولهذا جعل الله سبحانه للإيمان مقاييس تعرف بها قوته أو ضعفه، وجعل لقسوة القلب علامات وأمارات إذا وجدت؛ علم العبد أن قلبه يحتاج إلى وقفة ومراجعة، إذ ليس كل من صلى سلم قلبه، ولا كل من ظهر صلاحه سلم باطنه، وإنما الميزان في حياة القلب: خشوعه وتأثره، ومن أبرز مقاييس الإيمان والقلوب: ما يظهر على العبد من جفاء القلب عن ذكر الله تعالى، وثقل عن الطاعة، وخلو عباداته من الخشوع، وعدم التأثر بآيات الله ومواعظه، فتراه يحضر الجنازة وربما حمل الميت وأنزله قبره ولم يتحرك فيه شيء، أو يمر بمبتلى ويرى مصابا ولا يتأثر ولا يعتبر، وهذه وغيرها علامات إنذار تدل على ضعف الإيمان وقسوة القلب؛ فليحذر العبد من ذلك، وليزن إيمانه بهذه الموازين ونحوها، وليراجع علاقته بربه سبحانه وتعالى.
أيها المسلمون: إن لمرض القلوب وضعف الإيمان أسبابا كثيرة، ينبغي على المسلم معرفتها ليتجنبها ويبتعد عنها إن كان قد وقع في شيء منها، فمن أعظم ذلك: الوقوع في المعاصي والإصرار عليها؛ فمن الناس من يبتلى بمعصية بعينها لا يكاد يفارقها، ومنهم من يتقلب بين أنواع شتى من الذنوب، ومع كثرة الوقوع في المعصية تتحول شيئا فشيئا إلى عادة مألوفة، ويزول قبحها من القلب، حتى يبلغ العبد حد المجاهرة بها، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) رواه البخاري. وإن خطورة الذنوب لا تقف عند حد الفعل بل في آثارها على القلوب؛ فإن المعصية إذا لم تقابل بتوبة صادقة كانت نكتة سوداء في القلب، فإن نزع العبد واستغفر صقل قلبه وإن عاد زادت، حتى تتراكم الذنوب فتغشى القلب وتغلقه، فيضعف الإيمان وينقص، ويقسو القلب ويقع تحت الران الذي ذكره الله تعالى، وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت، فإن عاد زيد فيها، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو فيه، فهو الران الذي ذكر الله جل وعلا: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14]) رواه ابن حبان.  مما يدل على أن الإصرار على المعصية من أعظم أسباب قسوة القلب وذهاب نور الإيمان. 
عباد الله: إن من أخطر أسباب ضعف الإيمان وقسوة القلوب: الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ فإن ذكر الله حياة القلوب وروحها، به تحيا النفوس وتطمئن، وبه يقوى الإيمان ويترسخ، فإذا غفل العبد عن ذكر ربه قسا قلبه، وضعف إيمانه، حتى يصير كالميت وإن كان يمشي بين الناس. وقد وصف الله المنافقين بهذه الصفة فقال: {ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم مبينا خطورة هذا الحال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت) رواه البخاري. وأما أهل الإيمان فقد وجههم الله إلى دوام الذكر في كل أحوالهم، فقال سبحانه: {فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} [النساء: 103]، فلما امتثلوا أمره وصفهم بقوله: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191]. فكان هذا الذكر الدائم سببا في قوة إيمانهم، وثبات قلوبهم، وسكينة نفوسهم.
ومما يزيد القلب قسوة ويضعف الإيمان أيضا: هجر مجالس الصالحين وترك صحبتهم؛ فإن القلوب تحيا بالقلوب، والإيمان يقوى في بيئة الإيمان، ففي مجالس الصالحين تتلى آيات الله تعالى، وتسمع المواعظ، وتقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فتزداد القلوب إيمانا، كما قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} [التوبة: 124]. ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم حلق الذكر رياض الجنة، وحث على مجالستها، وبين أثر الصحبة فقال: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) رواه الترمذي. فالطبع يسرق من الطبع، ومن صاحب الصالحين تأثر بهم، وحملت إليه معاني الخير، وقويت في قلبه دوافع الطاعة، ومتى غفل القلب عن الذكر، وبعد عن مجالس الصالحين؛ ظهر أثر ذلك عند الشدائد والمصائب، فتراه إذا نزل به بلاء فزع واضطرب، وارتعد قلبه، وضاقت عليه السبل، ولم يجد في صدره سكينة ولا في قلبه طمأنينة، لأنه واجه البلاء بقلب ضعيف الصلة بالله، قليل الذكر له، فكان هذا الفزع ثمرة ضعف الإيمان، وقلة التعلق برب العالمين. 
عباد الله: أسباب ضعف الإيمان وقسوة القلوب كثيرة، والواجب على العبد أن يراجع إيمانه وقلبه، يعرض قلبه على آيات الله تعالى، يسمع كلام الله تعالى، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، يحضر الجنائز والمواعظ، ويزور المرضى والمبتلين، ثم يرى أثر ذلك في قلبه وإيمانه، ويسأل الله الثبات، وقوة الإيمان، والمغفرة والرحمة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.
أما بعد
عباد الله: إذا كان ضعف الإيمان داء يتسلل إلى القلوب، فإن الله سبحانه لم يجعله داء إلا وجعل له دواء، بل أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإيمان يبلى في القلوب كما يبلى الثوب، ثم دلنا على باب العلاج فقال: (فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) رواه الحاكم. وبين صلى الله عليه وسلم أن القلوب تمر بحالات من الإقبال والإدبار، كمثل القمر إذا غشيته السحابة أظلم، فإذا انجلت عاد مشرقا، فليس الخطر أن يضعف الإيمان، ولكن الخطر أن يترك القلب بلا علاج.
أيها المسلمون: إن الإيمان علاقة بين العبد وربه لا تصلحها كثرة الكلام، وإنما يصلحها صدق الرجوع إلى الله تعالى، ومجاهدة النفس على الطاعة، وأعظم ما يحيي الإيمان في القلب أيضا: العودة الصادقة إلى القرآن الكريم، لا قراءة حروف مجردة، بل قراءة تدبر وتفكر، فإن القرآن شفاء القلوب ونور الصدور، قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82]، فمن أراد حياة قلبه فليلزم كتاب الله، وليدخل آياته إلى قلبه قبل لسانه. ومما يقوي الإيمان: أن يتأمل العبد أسماء الله وصفاته، ويستشعر عظمته سبحانه وجلاله، فإذا امتلأ القلب معرفة بالله خضعت الجوارح له، وصلحت الأعمال، فإن القلب ملك الجسد، وإذا صلح الملك صلحت الرعية.
وإن مما يقوي الإيمان: دوام ذكر الله تعالى، ولزوم مجالس الذكر والصالحين، وملء الأوقات بالطاعات المتنوعة، ويزداد الإيمان أيضا بالخوف من سوء الخاتمة، واستحضار الوقوف بين يدي الله تعالى، ومحاسبة النفس قبل الحساب، فإن ذلك يردع عن الغفلة ويبعث على الاستقامة.
فهذه وغيرها أبواب علاج مفتوحة، فمن طرقها بصدق وجاهد نفسه عليها؛ وجد أثرها في قلبه وإيمانه طمأنينة ونورا وقوة وثباتا. 
وصلى الله على نبينا محمد.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة