- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الحمد لله الذي كتب الفناء على خلقه، وجعل الآخرة دار القرار، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجينا من عذابه وتدخلنا جنته، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله؛ فإن تقوى الله زاد الراحلين، وعدة المتهيئين ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم {وٱتقوا يوۡمٗا ترۡجعون فيه إلى ٱللهۖ ثم توفى كل نفۡسٖ ما كسبتۡ وهمۡ لا يظۡلمون} [البقرة: 281]. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله وٱبۡتغوٓا إليۡه ٱلۡوسيلة وجهدوا في سبيلهۦ لعلكمۡ تفۡلحون} [المائدة: 35]. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله ولۡتنظرۡ نفۡسٞ ما قدمتۡ لغدٖۖ وٱتقوا ٱللهۚ إن ٱلله خبيرۢ بما تعۡملون} [الحشر: 18].
أما بعد؛ أيها المسلمون: حديثنا اليوم عن حقيقة يغفل عنها كثير من الناس، ويؤجل التفكير فيها وكأنها لا تعنيه، مع أنها أقرب إليه من شراك نعله؛ حديثنا عن القبر أول منازل الآخرة. نعم، أيها المؤمنون، القبر ليس حفرة من تراب فحسب، بل هو بداية الرحلة الحقيقية، ومفتاح المصير الأبدي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد) رواه الترمذي.
النجاة في القبر ليست أمرا ثانويا، بل هي الميزان والاختبار الأول، والباب الذي يفتح منه على الجنة أو –والعياذ بالله– على النار.
أيها المؤمنون: إن القبر مكان تكشف فيه الحقائق، وتسقط فيه الأقنعة، ولا يبقى مع الإنسان إلا عمله، لا يقبل منه قبل ذلك طلب الرجوع للدنيا لإحسان العمل، قال الله تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} [المؤمنون: 99] لا رجوع ولا تأجيل، ولا فرصة جديدة؛ بل يبدأ عمل الآخرة من القبر، يأتيه الملكان، فيسألانه عن أعظم قضية في الوجود: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فمن كان موحدا صادقا، عاش على الإيمان ومات عليه، ثبته الله تعالى فأجاب باطمئنان وثبات، كما قال سبحانه: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} [إبراهيم: 27]. فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها وسرورها، وأما من عاش غافلا، متعلقا بالدنيا، معرضا عن الله تعالى؛ فإن لسانه يعجز، وقلبه يضطرب، فيقول: هاه... هاه لا أدري، فيقال له لا دريت ولا تليت، فيفتح له باب من النار فيأتيه من عذابها وسمومها. نسأل الله العافية.
أيها المسلمون: ليس بيننا وبين أن ندخل القبر إلا أن تنقطع الأنفاس، ويغسل الجسد، ويوارى في التراب، وينصرف الأهل والأحباب، ونبقى وحدنا نواجه مصيرنا الأبدي. كم من إنسان ضحك بالأمس، وبكي عليه اليوم؟ وكم من بيت عامر صار إلى ظلمة القبر؟ وكم من جسد كان يترفع ويختال، صار طريح التراب؟ أين الأموال؟ أين المناصب؟ أين الجاه والسمعة؟ كلها تخلت عن صاحبها عند أول حفنة تراب.
عباد الله: إن القبر عالم غيبي عظيم، لا يدرك بالحواس، ولا يعرف إلا بالوحي الصادق: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فمن أعرض عن الوحي كذب بأحوال القبور، ومن آمن بهما أيقن واستعد، وقد دل القرآن والسنة دلالة قاطعة على أن القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. قال تعالى: {ومنۡ أعۡرض عن ذكۡري فإن لهۥ معيشةٗ ضنكٗا} [طه: 124]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هي عذاب القبر) رواه البزار مرفوعا. وقال عز وجل في آل فرعون: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} [غافر: 46]. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على قبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) رواه البخاري. وروى أبو داود عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن سؤال المؤمن في القبر: (فينادي مناد من السماء: أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها قال: ويفتح له فيها مد بصره). وقال في الكافر : (فينادي مناد من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها. قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه).
أيها المسلمون: لقد كان السلف الصالح أصدق الناس نظرا في الآخرة، وأعمقهم فقها لحقيقة الدنيا، فكانوا يرون القبر منزلا عظيما، فتلين له قلوبهم، وتخشع له نفوسهم، ويعملون لما بعده قبل أن يدركهم، ولعظم هذا المقام عندهم؛ ظهرت آثاره في حياتهم ومواقفهم، فكانوا إذا وقفوا على القبور بكت أعينهم، واضطربت قلوبهم، واستيقظت نفوسهم، فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته، ويقول: "القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد". وقال عمر بن عبدالعزيز لبعض جلسائه يوما: "يا فلان: لقد بت الليلة أتفكر في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث في القبر، لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام، ويجري فيه الصديد، وتخترقه الديدان، مع تغير الرائحة، وبلى الأكفان، بعد حسن الهيئة، وطيب الريح، ونقاء الثوب، ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه" رواه ابن أبي الدنيا. وكان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يتعوذ من عذاب القبر، ويأمر أمته بذلك في كل صلاة.
عباد الله: هذا هو المنزل الأول والامتحان الأعظم، فطوبى لمن استعد له بإيمان صادق، وعمل صالح، وقلب سليم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
عباد الله: من أراد النجاة من عذاب القبر، فطريقها الجامع هو الاستقامة على طاعة الله تعالى، واتباع هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت: 30]. ومما ينجي من عذاب القبر العناية بسورة الملك؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر) صحيح الجامع. وقال: (إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له؛ وهي سورة تبارك الذي بيده الملك) رواه الترمذي. فمن أراد النجاة من عذاب القبر فليداوم على تلاوتها وتدبرها، والعمل بها.
ومن أعظم أسباب النجاة الشهادة في سبيل الله تعالى؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه) رواه الترمذي.
ومما ينجي من عذاب القبر كذلك اجتناب أسباب عذابه؛ كالكذب، والزنا، والربا، وهجر القرآن، والغيبة والنميمة؛ فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عاقبة هؤلاء في البرزخ.
ومن أعظم أسباب النجاة الاستعاذة بالله من عذاب القبر دبر كل صلاة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) رواه مسلم.
ومن أنفع الأسباب المنجية من عذاب القبر ما قاله الإمام ابن القيم: "أن يجلس الرجل عندما يريد النوم ساعة لله، يحاسب فيها نفسه على ما خسره وربحه في يومه ذاك، ثم يجدد له توبة نصوحا بينه وبين الله، فينام على تلك التوبة، ويعزم على ألا يعاود الذنب إذا استيقظ، ويفعل هذا كل ليلة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل، مسرورا بتأخير أجله؛ ليستدرك ما فاته"، ثم يقول رحمه الله: "وليس للعبد أنفع من هذه النومة".
فتوبوا إلى الله عباد الله ما دمتم في زمن الإمهال، وتقربوا إليه بصالح الأعمال؛ تفوزوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة. عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

