- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:قضايا شبابية
تعتبر ظاهرة التشتت لدى شباب هذا العصر الراهن، واحدة من الظواهر المهمة، والمؤثرة على واقع الشاب ومستقبله، حيث يواجه شباب عصرنا شتاتا ذهنيا ونفسيا ومعلوماتيا غير مسبوق، حيث أصبح التركيز عملة نادرة في ظل عالم متسارع يضج بالمؤثرات، ومن جوانب هذا التشتت ما يسمى بالتشتت الرقمي، ونحن هنا نحاول أن نلقي الضوء على مظاهر هذا النوع من التشبت، وأسبابه، ومحاولة طرح طرق ووسائل للتخلص منه أو تخفيفه على الأقل.
أولا: مظاهر التشتت لدى الشباب
تتجلى حالة التشتت في سلوكيات يومية واضحة، منها:
1. التنقل الرقمي المستمر: أو ما يمكن أن نسميه بالقلق الرقمي، والمتمثل في عدم القدرة على إنهاء مهمة واحدة دون تفقد الهاتف أو التنقل بين تطبيقات التواصل الاجتماعي.
2. سطحية المعرفة: فالغالبية العظمى أصبح اعتمادهم الأول في استقاء المعلومات من مقاطع الفيديو القصيرة على وسائل التواصل (Reels/TikTok) أو من خلال أيه آي، أو سؤال الشات جي بي تي، بدلا من القراءة المتعمقة، والتوثق من صحة المعلومات، والبحث المتأني في المصادر الموثوقة والمعتمدة، وهذا يؤدي إلى تذبذب في الحصيلة الثقافية، مع تشكك في الصحة المعلوماتية.
3. التسويف المزمن: فالسمة العامة عند شباب الجيل ـ حتى العاملين منهم ـ تأجيل المهام الكبرى بسبب الانشغال بالمشتتات اللحظية، والتسويف في إتمام واجبات العمل، المتطلبات الوظيفية، مما يولد شعورا دائما بالذنب والقلق، مع ضعف الإنجاز والتدني في المستوى الأدائي.
ثانيا: أسباب التشتت
لا يعود التشتت لضعف الإرادة فحسب، بل لعدة عوامل متشابكة:
• تعدد المهام الواهم: وهو انشغال الشخص بالقيام بعدة أشياء في وقت واحد لاعتقاده أن ذلك يزيد الإنتاجية، وهو اعتقاد أثبتت الوقائع والحقائق خطأه، لأنه في الواقع يستنزف الطاقة الذهنية، ويسبب التأخر في إنجاز المهام، بينما تثبت الدراسات أن التركيز في مهمة إلى أن يتم إنجازها، كما يقول الكاتب "كال نيوبورت": "التركيز العميق هو قدرتك على العمل بتركيز تام على مهمة واحدة فقط لفترة زمنية محددة دون أي تشتت او انقطاع"، ويقول المدرب محمد تملي: :إن التركيز في العمل "يعتبر من القواعد الأساسية للنجاح المهني، سواء للموظف أو المدير".
فالتركيز في مهمة أساسية "أولوية" ثم الانتقال لما بعدها هو الطريق لسرعة الإنجاز، وارتفاع الأداء.
• اقتصاد الانتباه: تصميم التطبيقات والمنصات الرقمية بخوارزميات تهدف لجذب انتباه المستخدم لأطول فترة ممكنة عبر التنبيهات المستمرة. فلابد من قطع الطريق أمام المشتتات الرقمية، وخاصة إشعارات الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي والحد منها أثناء العمل.
• القلق من الفوات (FOMO): وهو قلق نفسي ناتج عن اعتقاد بأن هناك أحداثا أو تجارب أفضل تحدث للآخرين، وقد ظهر هذا المصطلح وتنامى مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يرى الناس باستمرار تحديثات الآخرين حول تجاربهم وإنجازاتهم.
والبعض يكون القلق عنده بسبب الخوف من ضياع خبر أو حدث أو "تريند"، مما يبقي الشاب في حالة تأهب دائم لملاحقة كل جديد.
ثالثا: طرق العلاج واستعادة التركيز
للتخلص من قيود التشتت، يحتاج الشاب إلى تبني استراتيجيات عملية
1. الصيام الرقمي الجزئي: أو ما نسميه بالتنظيم الرقمي، وذلك بتخصيص ساعات محددة في اليوم، للسياحة الرقمية، أو متابعة المنصات والأخبار، أو الترفيه، ولابد من قضاء أوقات "طويلة نسبيا" بعيدا عن الشاشات لإعادة ضبط الجهاز العصبي واستعادة الهدوء النفسي.
2. بيئة العمل الصامتة: إغلاق الإشعارات تماما عند البدء بمهام تتطلب تركيزا عميقا، واستخدام تقنيات مثل "بومودورو" (25 دقيقة عمل مقابل 5 دقائق راحة).
3. ترسيخ الهوايات "البطيئة: "العودة لممارسة أنشطة تتطلب صبرا وتركيزا، مثل القراءة الورقية، الكتابة اليدوية، أو ممارسة الرياضة التأملية.. وهذا لتعويد النفس على التركيز وعدم الاستجابة السريعة عند أول مشتت تقني، ومحاولة تخليص النفس من الالتفات عن المهمة الموكلة، مما يساعد على التركيز في أدائها وإتقانها، وسرعة إنجازها.
4. تحديد الأولويات: كتابة قائمة مهام يومية واقعية، والبدء بالمهمة الأكثر صعوبة لضمان استغلال ذروة النشاط الذهني، ثم الانتقال منها إلى الولى فالأولى.
خاتمة:
إن التشتت ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة لنمط حياة حديث ينبغي ألا ننساق إليه، ولنعلم أن استعادة القدرة على التركيز هي "القوة الخارقة" الجديدة التي ستميز الشباب الناجح في المستقبل، وهي تبدأ بقرار واعي للسيطرة على الأدوات بدلا من السماح لها بالسيطرة علينا.

المقالات

